الإباضية مذهب لا دين
الجزء ١ · صفحة ٣٤عنده
إلى الكوفة والياً عليها، كان يسمر عنده وجوه أهلها، وفي ذات مرة وبينما هم. يتحدثون، قال رجل منهم: ما أجود طلحة بن عبيد الله، فقال سعيد: إن من له مثل النشاستج ضيعة كانت لطلحة في الكوفة = لحقيق أن يكون جواداً، والله لو أن لي مثله لأ عاشكم الله به عيشاً رغداً.
فقال عبد الرحمن بن حبيش وهو حدث: والله لوددت أن هذا الملطاط لك = يعني سعيد = وهو ما كان للأكاسرة على جانب نهر الفرات الذي يلي الكوفة، فثار به الأشتر، وجندب، وأبن ذي الحنكة، وصعصة، وابن الكواء، وكميل، وعمير بن ضابئ، فأخذوه فثار أبوه ليمنع عنه فضربوهما حتى غشي عليهما، وجعل سعيد يناشدهم ويأبون حتى قضوا منهما وطراً، فسمعت بذلك بنو أسد فجاؤوا وفيهم طلحة فأحاطوا بقصر سعيد، وركبت القبائل فعاذوا بسعيد، فخرج سعيد إلى الناس، فقالا: أيها الناس قوم تنازعوا وقد رزق الله العافية. فردّهم، فتراجعوا، وأفاق الرجلان، فقال: قاتلنا غاشيتك
أبداً، فكفّاً ألسنتكما ولا تُحزّباً الناس. ففعلاً، وقعد أولئك النفر في فقال: لا يغشوني بيوتهم وأقبلوا يقعون في سعيد وعثمان، واجتمع إليهم الناس حتى كثروا. فكتب سعيد وأشراف أهل الكوفة إلى عثمان في إخراجهم، فكتب إليهم أن يلحقوهم بمعاوية في الشام، وكتب إلى معاوية: إن أهل الكوفة قد أخرجوا إليك نفراً خلقوا للفتنة، فَرعُهم وقم عليهم، فان آنست منهم رشداً فاقبل منهم، وإن أعيوك فارددهم عليهم.
فلما قدموا على معاوية رحب بهم، وأجرى عليهم بأمر من عثمان ما كان يجري عليهم بالعراق من الأرزاق، وكان يتغدى ويتعشى معهم، فقال لهم يوما": إنكم قوماً من العرب لكم أسنان وألسنة، وقد أدركتم بالاسلام شرفاً وغلبتم الأمم وحويتم مراتبهم وموارثيهم، وقد بلغني أنكم نقمتم قريشاً، وإن قريشاً لو لم تكن عدتم أذلة كما كنتم، إن أئمتكم لكم إلى اليوم جنّة فلا تشذوا عن جنتكم، وإن أئمتكم اليوم يصبرون لكم على الجور، ويحتملون منكم المؤونة، والله لتنتهن أو ليبتلينكم الله بمن يسومكم، ثم لا يحمدكم على الصبر، ثم تكونون شركاء لهم فيما جررتم على الرعيّة في حياتكم وبعد موتكم.
فقال رجل من القوم، يقال له صعصة: أما ما ذكرت من قريش فإنها لم تكن أكثر العرب ولا أمنعها في الجاهلية، فتُخوفنا، وأما ما ذكرت من الجنة فإن الجنة إذا اخترقت
خلص إلينا.
فقال معاوية: عرفتكم الآن، علمت أنّ الذي أغراكم على هذا قلة العقول، وأنت خطيب القوم، ولا أرى لك عقلاً، أعظم عليك أمر الاسلام، وأذكرك به.، وتذكرني الجاهلية، وقد وعظتك. إن قريشاً لم تعز في جاهلية ولا إسلام إلا بالله عز
وجل، لم تكن بأكثر العرب، ولا أشدهم، ولكنهم كانوا أكرمهم أحساباً، وأعظمهم أخطاراً، وأكملهم مروءة، ولم يمتنعوا في الجاهلية، والناس يأكل بعضهم بعضاً إلا بالله الذي لا يُستذل من أعز، ولا يوضع من رفع، فبوأهم حرماً آمناً يتخطف الناس من حولهم ...... فكان الله يحوطهم في الجاهلية وهم على كفرهم بالله، أفتراه لا يحوطهم وهم على دينه، وقد حاطهم في الجاهلية من الملوك الذين كانوا يدينونكما أن لك .. ثم قام معاوية وتركهم. وعاد إليهم من القابلة، وذكرهم ومما
ولأصحابك
قال لهم:
أليس أول ما ابتدأتكم به أن أمرتكم بتقوى الله وطاعة نبيه، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا؟ قالوا: بل أمرت بالفرقة وخلاف ما جاء به النبي (صلى الله عليه وسلم فقال: إني أمركم الآن إن كنت فعلت فأتوب إلى الله، وأمركم بتقواه وطاعته وطاعة نبيه (صلى الله عليه وسلم ولزوم الجماعة وأن توقروا أئمتكم وتدلوهم على أحسن ما قدرتم عليه فقال صعصعة: فإنا نأمرك أن تعتزل عملك فإن في المسلمين من هو أحق به منك من كان أبوه أحسن قدماً في الإسلام من أبيك، وهو أحسن في الإسلام قدماً منك، فقال: والله إن لي في الإسلام قدماً، ولغيري كان أحسن قدماً مني، ولكنه ليس في زماني أحد أقوى على ما أنا فيه مني، ولقد رأى ذلك عمر بن الخطاب، فلو كان غيري أقوى مني لما تكن عند عمر هوادة لي ولا لغيري، ولم أحدث من الحدث ما ينبغي لي أن أعتزل عملي، ولو رأى ذلك أمير المؤمنين لكتب إلي فاعتزلت عمله. فمهلاً فإن في ذلك وأشباهه ما يتمنى الشيطان ويأمر، ولعمري لو كانت الأمور تقضى على رأيكم وأمانتكم ما استقامت لأهل الإسلام يوماً ولا ليلة، فعاودوا الخير وقولوه.
ثم قام معاوية من عندهم وكتب إلى عثمان بما وجده عندهم، وطلب ردهم إلى الكوفة، فكتب إليه عثمان يأمره أن يردهم إلى سعيد بن العاص بالكوفة، فردّهم إليه، فلم يكونوا إلا أطلق ألسنة منهم حين رجعوا. (111) إذن فالذين أخرجهم عثمان بن عفان من العراق كانوا عامل فتنة، وعنصر شغب في الدولة، وإذا لم يكن له حق تأديبهم، فكيف تستقيم الأمور في الدولة، ولا تبعد عن الحقيقة إذا قلنا بأن تسامح عثمان، وسياستة اللينة التي اتبعها في التعامل مع أولئك
63
62