الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٣٥

وغيرهم هي التي شجعتهم على الخروج عليه متعلقين بحجج واهية، ومتظاهرين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

بن

وأما ما قيل من أن عثمان (رضي الله عنه قد نفى أبا ذر الغفار من المدينة إلى الربذة، فإن الروايات تدل على أنَّ أبا ذر هو الذي طلب الخروج إلى الربذة، لا أن عثمان هو الذي أخرجه، فقد جاء في تاريخ الإسلام للحافظ الذهبي عن حميد بن هلال عن عبد الله الصامت، قالت أم ذرّ: (والله ما سيّر عثمان أبا ذر تعني إلى الربذة ولكن رسول الله (ص) قال له: إذا بلغ البناء سلعاً فاخرج منها) (112).

وجاء في تاريخ الطبري أن أبا ذر عندما قدم المدينة من الشام ورأى البناء قد بلغ جبل سلع، قال بشر أهل المدينة بغارة شعواء، وحرب مذكار. أي ذات أهوال. ثم قال لعثمان: فتأذن لي في الخروج، فان المدينة ليست لي بدار؟ فقال: أو تستبدل بها إلا شراً منها! قال: أمرني رسول الله (صلى الله عليه وسلم أن أخرج منها إذا بلغ البناء سلعاً، قال: فانفذ لما. قال: فخرج حتى نزل الربذة فحط بها مسجداً، وأقطعه عثمان صرمة من الأبل

أمرك به = ما بين العشرين والثلاثين وأعطاه مملوكين، وأرسل إليه: أن تعاهد المدينة حتى لا ترتد أعرابياً، ففعل. (113)

هذا وقد ذكرت الروايات التاريخية أن قدوم أبي ذر إلى المدينة من الشام، كان بسبب ما حصل بينه وبين معاوية بن أبي سفيان، ذلك أن أبا ذر كان قد ذهب إلى أنه لا ينبغي أن يكون في ملك المسلم أكثر من قوت يومه وليلته، أو شيء ينفقه في سبيل الله، وأخذ يدعو إلى ذلك حتى ولع الفقراء بدعواه، وأوجبوا ذلك على الأغنياء، فشكا الأغنياء إلى معاوية ما يلقون من الفقراء، فأرسل معاوية إلى أبي ذر، فقال: اذهب إلى أبي ذر فقل له: أنقذ جسدي من عذاب معاوية، فإنه أرسلني إلى غيرك، وإني أخطأت بك. ففعل ذلك، فقال له أبو ذر يا بني قل له: والله ما أصبح عندنا من دنانيرك دينار، ولكن أخرنا ثلاثة أيام حتى نجمعها، فلما رأى معاوية أن فعله يصدق قوله، كتب إلى عثمان أن أبا ذر قد ضيق علي، وقد كان كذا كذا للذي يقوله الفقراء، فكتب إليه عثمان أن جهز أبا ذر إلى وابعث معه دليلاً، وزوده، وأرفق به وعندما وصل أبو ذر المدينة دخل على عثمان، فسأله مالأهل الشام يشكون ذرب لسانك؟ فأخبره، فقال: يا أبا ذر علي أن أقضي ما علي وأن أدعو الرعية إلى الاجتهاد والاقتصاد وما عليّ أن أجبرهم على الزهد (114)

وما يقال في العلاقة بين معاوية وأبي ذر غير ما تقدم، فأمور لا تصح، يقول ابن الأثير: (وفي هذه السنة = أي سنة ثلاثين للهجرة = كان ما ذكر في أمر أبي ذر، وإشخاص معاوية

إياه من الشام إلى المدينة، وقد ذكر في سبب ذلك أمور كثيرة من سب معاوية إياه وتهديده بالقتل، وحمله إلى المدينة من الشام بغير وطاء، ونفيه من المدينة على الوجه الشنيع، لا يصح النقل به، ولو صح لكان ينبغي أن يعتذر عن عثمان فإن للإمام أن يؤدب رعيته وغير ذلك من الأعذار، لا أن يجعل ذلك سبباً للطعن عليه. (115) وأخيراً فإن أبا ذر لم يُحمل الذي حصل بينه وبين عثمان أكثر مما يحتمل، فلم يشق عصا الطاعة، ولم ير جواز الخروج على عثمان، فقد روى الحافظ الذهبي عن أبي جويرية عن زيد بن خالد الجهني أن أبا ذر قال لعثمان: والله لو أمرتني أن أحبو الحبوت ما

استطعت

وروى عن عمران الجوني عن عبد الله بن الصامت قال: قال أبو ذر لعثمان: يا أمير المؤمنين افتح الباب لا تحسبني من قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. وروى عن العوام بن حوشب قال: حدثني رجل عن شيخ وامرأته من بني ثعلبة قالا: نزلنا بالربذة، فمر بنا شيخ أشعث فقالوا: هذا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فاستأذناه أن نغسل رأسه، فأذن لنا واستأنس بنا، فبينما نحن كذلك إذ أتاه نفر من أهل العراق، فقالوا: يا أبا ذر فعل بك هذا الرجل وفعل، فهل أنت ناصب لك راية = أي حتى يجتمع عندك الناس فيناصروك = فقال: لا تذلوا السلطان فإنه من أذل السلطان فلا توبة له،

والله لو أنّ عثمان صلبني على خشبة لسمعت وصبرت ورأيت أن ذلك خير لي (116). وإذا اعتبرنا أبا ذر صاحب حق فيما حصل، وأنه مظلوم أعتدي عليه بالنفي والطرد، فإن المطالبة بحقه تكون له أولاً، ثم إنه إذا أسقط حقه فليس لغيره المطالبة بهذا الحق، ثم إذا كانت عقوبة الاعتداء على أقدس حق من حقوق الانسان، وهو حق الحياة، تسقط بعفو أولياء المقتول، وكانت عقوبة الاعتداء على ما دون النفس بالجرح أو الضرب تسقط بعفو المجني عليه، فما بال الاباضية لا يرضون أن يكون أبو ذر قد عفا عن اعتداء وقع على حق من حقوقة، هو أدنى من حق الحياة، ألا وهو حريته في الإقامة والتنقل؟ ولا أظن المعاصرين من علماء الاباضية قد جهلوا الروايات التي تدل على سماحة أبي ذر وعفوه، ولا أظنهم كذلك قد جهلوا الروايات التي نقلناها في كل ما نقمه اسلافهم على عثمان، فهم وكما نقلنا عنهم قد رجعوا إلى كتب التاريخ التي رجعنا إليها، ينقبون فيها عن شيء من سيرة سيدنا عثمان يبررون فيه موقف أسلافهم منه، وهم إذا اطلعوا على تلك الروايات فما بالهم يغضون الطرف عنها؟ هل لأن ما ذهبوا إليه هو الحق وما عداه. الباطل؟ أم هل لأنهم أصدق حديثاً من غيرهم، ومصادرهم أوثق من غيرها؟ أم هل لأن لهم أن

هو

65

64