الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٤١

بن

عفان،

سبيله، فيذهب حيث شاء. وبلغ حكيم بن جَبَلة ما حصل لعثمان بن حنيف، فخرج لنصرته على رأس جيش من أهل البصرة ومعه أربعة ممن اشترك في قتل عثمان أحدهم حرقوص بن زهير، ودار القتال بين الجيشين حتى قتل حكيم ونحو سبعين ممن معه، وأفلت حرقوص بن زهير، وبعدها ضعف شأن من خالف طلحة والزبير من أهل البصرة، ويقال: إن أهل البصرة بايعوا طلحة والزبير.

أما علي بن أبي طالب فعندما بلغه خبر خروج من خرج من مكة إلى البصرة أسرع بالتجهز رجاء أن يدركهم فيردهم قبل الوصول إليها مخافة أن تحصل مقتلة عظيمة بين المسلمين، ولما عزم على المسير إليها قام إليه ابن أبي رفاعة بن رافع فقال: يا أمير المؤمنين أي شيء تريد؟ وأين تذهب بنا؟ فقال: أما الذي نريد وننوي فالاصلاح إن قبلوا منا وأجابونا إليه. قال: فإن لم يجيبونا إليه؟ قال: نَدَعُهُم بعذرهم ونعطيهم الحق ونصبر. قال: فان لم يرضوا قال: ندعهم ما تركونا قال: فإن لم يتركونا قال: امتنعنا منهم قال: فنعم إذن. وسار علي بمن خرج معه من أهل المدينة ومن كان فيها من أهل الكوفة والبصرة ومصر، وفي الطريق أرسل إلى أهل الكوفة بالخروج إليه وملاقاته لمؤازرته فيما يريد، فخرج إليه من أهلها أثنا عشر ألف رجل، وقدموا عليه وهو بذي قار، فرحب بهم وقال لهم: دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة فإن يرجعوا فذاك الذي نريد، وإن يلجوا داويناهم بالرفق حتى يبدأونا بظلم، ولم ندع أمراً فيه صلاح إلا أشرناه على ما فيه الفساد، إن شاء

الله

وبعدها أرسل علي بن أبي طالب القعقاع بن عمرو إلى البصرة ليكلم عائشة ومن معها، فلما قدم البصرة بدأ بعائشة فسلم عليها وقال: أي أمة ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة؟ قالت: أي بني الإصلاح بين الناس، قال: فابعثي إلى طلحة والزبير حتى تسمعي كلامي وكلامهما. فبعثت إليهما فجاءا فقال لهما: إني سألت أم المؤمنين ما أقدمها فقالت: الإصلاح بين الناس، فما تقولان أنتما؟ أمتابعان أم مخالفان؟ قالا؟ متابعان. قال: فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ فو الله لئن عرفناه لنصلحن ولئن أنكرناه لا يصلح. قالا: قتلة عثمان فإن هذا إن تُرك كان تركاً للقرآن. قال: قد قتلتما قتلة عثمان من أهل البصرة، وأنتم قبل قتلهم أقرب إلى الاستقامة منكم اليوم، قتلتم ستمائة رجل فغضب لهم ستة آلاف واعتزلوكم وخرجوا من بين أظهركم، وطلبتم حرقوص بن زهير فمنعه ستة آلاف، فإن ترکتموهم کنتم تاركين لما تقولون، وإن قتلتموهم والذين اعتزلوكم فأديلوا عليكم، فالذي حذرتم وقويتم به هذا الأمر أعظم مما أراكم تكرهون، وإن أنتم منعتم مضر وربيعة من هذه البلاد اجتمعوا على حربكم وخذلانكم نُصْرة لهؤلاء كما اجتمع هؤلاء لأهل هذا الحدث العظيم والذنب الكبير.

76

قالت عائشة: فماذا تقول أنت؟ قال: أقول: إن هذا الأمر دواؤه التسكين، فإذا سكن اختلج، فإن أنتم بايعتمونا فعلامة خير وتباشير رحمة ودرك بثأر، وإن أنتم أبيتم إلا مكابرة هذا الأمر واعتسافه كانت علامة شر وذهاب هذا المال. فآثروا العافية ترزقوها، وكونوا مفاتيح الخير كما كنتم ولا تعرضونا للبلاء فتعرضوا له فيصرعنا وإياكم، وأيم الله إني لأقول هذا القول وأدعوكم إليه وإني لخائف أن لا يتم حتى يأخذ الله حاجته من هذه الأمة التي قلّ متاعها ونزل بها ما نزل، فإن هذا الأمر الذي حدث أمر ليس يُقدر، وليس كقتل الرجل الرجل، ولا النفر الرجل، ولا القبيلة الرجل، قالوا: قد أصبت وأحسنت، فارجع فإن قدم علي وهو على مثل رأيك صلح هذا الأمر. فرجع القعقاع إلى علي وأخبره الخبر فأعجبه ذلك، وقام بالناس خطيباً ومما قال: ألا وإني راحل غداً فارتحلوا، ولا يرتحلن أحد أعان على عثمان بشيء من أمور الناس، وليغن السفهاء عنى أنفسهم.

وفي الغد سار علي ومن. معه يريد البصرة، وسار إليه طلحة والزبير ومن معهما والتقى الجميع عند موضع قصر عبيد الله بن زياد، ولما تراءى الجمعان خرج الزبير على فرسه وخرج إليه علي فالتقيا ومما قاله علي للزبير: تذكر يوم مررت مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في بني غنم فنظر إلى فضحك وضحكت إليه فقلت له: لا يدع ابن أبي طالب زهوه، فقال: لك رسول الله (صلى الله عليه وسلم ليس بمزه لتقاتلنّه وأنت ظالم له، قال: اللهم نعم، ولو ذكرتُ ما سرتُ مسيري هذا، والله لا أقاتلك أبداً. فانصرف علي إلى أصحابة، فقال: أما الزبير فقد أعطى الله عهداً أن لا يقاتلكم. ورجع الزبير إلى عائشة فقال لها: ما كنت في موطن عقلتُ إلا وأنا أعرف فيه أمري غير موطني هذا، قالت: فما تريد أن تصنع؟ قال: أريد أن أدعهم وأذهب، لكن ابنه عبد الله أشار عليه بألا يرجع وقد جمع هذا الجموع. ثم نزل علي وجيشة بحيال جيش أهل البصرة، وكان بعضهم يخرج إلى بعض لا يذكرون إلا الصلح، وأرسل طلحة والزبير إلى علي: إننا على ما فارقنا عليه القعقاع، ثم اجتماع به فتوافقوا على الصلح وترك الحرب، وتفرقوا على ذلك، وأرسل على بالخبر إلى رؤساء أصحابه وأرسل طلحة والزبير بالخبر أيضاً إلى رؤساء أصحابهما، وبات الجميع بليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية التي أشرفوا عليها. وعلى إثر ذلك اجتمع نفر ممن أثاروا الفتنة أيام عثمان بن عفان وحرضوا على قتله، وكانوا مع جيش علي، وقالوا: إن يصطلح القوم فعلى دمائنا. واستقر رأيهم على ما اقترحه ابن السوداء حيث قال: يا قوم إنّ عزّكم في خلطة الناس فصانعوهم، فإذا التقى الناس غداً فانشبوا القتال، ولا تفرغوهم للنظر، فمن أنتم معه لا يجد بدا من أن يمتنع، ويشغل الله

VV