الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٤٢

علياً وطلحة والزبير، ومن رأى رأيهم عما تكرهون. فخرجوا في ظلمة الليل متسللين لا يشعر بهم أحد حتى قدموا إلى جيش أهل البصرة فوضعوا فيهم السلاح، فثار أهل البصرة وضح معسكرهم، فقال طلحة والزبير ما هذا؟ قالوا: طرقنا أهل الكوفة ليلاً، فقالا: قد علمنا أن علياً غير منته حتى يسفك الدماء وأنه لن يطاوعنا. ورد أهل البصرة أولئك الكوفيين إلى عسكرهم. فسمع علي وأهل الكوفة الصوت، وقد وضع ابن السوداء رجلاً قريباً من علي، فلما قال علي ما هذا؟ قال الرجل: ما شعرنا إلا وقوم منهم قد بيتونا ليخبره بما يريدون، فرددناهم فقال علي: لقد علمت أن طلحة والزبير غير منتهيين حتى يسفكا الدماء. وثار الناس واقتتل الجيشان، وأقبل كعب بن سور حتى أتى عائشة فقال: أدركي فقد أبى القوم إلا القتال لعل الله يصلح بك، فركبت وألبسوا هودجها الأدراع.، فلما برزت من البيوت وهي على هودجها سمعت ضجة شديدة، ورأت تفرق أهل البصرة، فقالت لكعب بن سور: خل عن الجمل وتقدم بالمصحف فادعهم إليه. وناولته مصحفاً، فاستقبل القوم من أهل الكوفة فرموه فقتلوه، ورموا أم المؤمنين في هودجها، فجعلت تنادي، فلما رأى أهل البصرة ذلك، اجتمعوا من جديد وحملوا على أهل الكوفة، واشتد القتال، وأحاط أهل البصرة بهودج عائشة فقتل منهم خلق كثير دفاعاً عنها، ولما رأى علي بن أبي طالب ذلك نادى: اعقروا الجمل فإنه إن عقر تفرقوا، فقال القعقاع البجير بن دلجة، وهو من أصحاب علي: يا بجير هيج بقومك فليعقروا الجمل قبل أن تصاب أم المؤمنين، ففعلوا ذلك، واجتمع القعقاع مع رجل آخر على حمل الهودج من على البعير فوضعاه وإنه كالقنفذ لما فيه من السهام. وعندها تفرق أهل البصرة، وأمر علي نفراً أن يحملوا الهودج من بين القتلى، وأمر أخاها محمد بن أبي بكر أن يضرب عليها قبة، وأتاها علي فقال: كيف أنت يا أمه؟ قالت: بخير. قال: يغفر الله لك. قالت: ولك. فلما كان الليل أدخلها أخوها محمد بن أبي بكر البصرة وأنزلها في دار عبد الله بن خلف الخزاعي. ثم دخل علي البصرة وبايعه أهلها، وجهز عائشة بكل ما ينبعي لها من مركب وزاد ومتاع، وغير ذلك وبعث معها كل من نجا من خرج معها إلا من أحب المقام، وسير معها أخوها محمد بن أبي بكر، فلما كان اليوم الذي ارتحلت فيه أتاها علي فوقف لها وحضر الناس فخرجت وودعتهم وقالت: يا بني لا يعتب بعضنا على بعض، إنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة وبين أحمائها، وإنه على معتبتي لمن الأخيار. وقال علي: صدقت والله ما كان بيني وبينها إلا ذاك وإنها الزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة.

وكان سيدنا علي قبل أن يدخل البصرة قد أذن للناس في دفن القتلى من الجانبين بعد أن صلى عليهم، وكان جميع القتلى عشرة آلاف، نصفهم من أصحاب علي، ونصفهم الآخر من أصحاب عائشة، وقيل غير ذلك.

وممن قتل في هذه المعركة الزبير بن العوام، وكان قد فرّ من القتال في أوله، لما ذكره له علي بن أبي طالب من قول الرسول (صلى الله عليه وسلم). فمر يعسكر الأحنف بن قيس، فقال الأحنف والله ما هذا انحياز، جمع بين المسلمين حتى ضرب بعضهم بعضا لحق ببيته. ثم قال: من يأتيني بخبره؟ فقال عمرو بن جرموز: أنا، فلحقه حتى أدركه بوادي السباع وهو في طريقه إلى المدينة، فقتله غيلة، وقطع رأسه وجاء به إلى علي ورأى أن ذلك يحصل له به حظوة عنده، فاستأذن بالدخول عليه، فقال علي الحاجبه: ائذن له وبشره بالنار. ولما دخل ابن جرموز، وكان معه سيف الزبير قال علي: إن هذا السيف طال ما فرج الكرب عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وسلم فيقال: إن ابن جرموز لما سمع ذلك قتل

نفسه. وقيل غير ذلك. (4)

والزبير هو ابن عمة النبي (صلى الله عليه وسلم، وكان من السابقين إلى الإسلام، وهو أول من سل سيفه في سبيل الله، وشهد بدراً والمشاهد كلها، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد السنة أهل الشورى، وهو حواري رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الجنة (5)، فعن جابر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (إن لكل نبي حوارياً، وإن حواري الزبير بن العوام) (6).

وقتل أيضاً طلحة بن عبيد الله، أصابه سهم فجرحه، فحمل إلى البصرة ومات فيها وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، فعن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم أثبت جراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد. (7) وعن علي قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: طلحة والزبير جاراي في الجنة. (8)

وعن علي: قال: إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من الذين قال الله (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين (9)) (10). هذه هي وقعة الجمل بمقدماتها ونتائجها، وأبرز الأحداث فيها، كما ذكرتها كتب التاريخ الموثوقة، وهي الأحداث التي أغفلت كتب الاباضية (11) ذكرها إلا بالقدر الذي يظهر طلحة والزبير ومن معهما أنهم الفئة الباغية التي شقت عصا الأمة وسفكت الدماء بقتلها الضعفاء من الزط والسبابجة، واعتدت على الأبرياء من مثل عثمان بن حنيف، فأخذها الله أخذ عزيز مقتدر، ونصر عليها علي بن أبي طالب ومن معه من خلص أتباعه الذين بايعوه على السمع والطاعة والنصرة ما أقام فيهم كتاب الله وسنة رسوله، وفيهم من سيغدو فيما بعد

من الخوارج وبالتبع من سينفصل عنهم فينفرد باسم أهل الاستقامة وهم الاباضية.

79

VA