الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٤٣

وطبيعي أن يكون هذا هو موقف الاباضية من طلحة والزبير ومن معهما، لأن من أصولهم التي يدينون بها أن قتل عثمان كان بحق، فوجبت البراءة منه وممن يواليه، وطلحة والزبير قد قاما بطلب دمه، فوجبت البراءة منها (12).

بل إن الوارجلاني أحد علماء الاباضية يذهب في كتابه "الدليل والبرهان" في الحكم على طلحة والزبير إلى ما هو أبعد من البراءة، فهما عنده إلى النار البوار، وبالمناسبة فهو يُدخل معهما إلى النار أيضاً معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، حيث قال: (وأما علي بن أبي طالب فإن ولايته حق عند الله تعالى، وكانت على أيدي الصحابة وبقية الشورى، ثم قاتل طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين = رضي الله عنها فقتاله حق عند الله تعالى، لشقهم عصا الأمة، ونكثهم الصفقة، فسفكوا الدماء، وأظهورا الفساد، فحل لعلي قتالهم، وحرم الله عليهم الجنة، فكانت عاقبتهم إلى النار البوار، إلا ما كان من أم المؤمنين التائبة، فمن تاب تاب الله عليه) (13).

ولا أدري ماذا صنع الوارجلاني بالأحاديث النبوية التي شهدت لطلحة والزبير بالجنة؟ وشهدت كذلك بالجنة لعثمان وعلي. ولعل فيما ذكره سالم الحارثي في كتابه العقود الفضية إجابة على سؤالنا حيث قال: (قال القطب: وأفضل الناس بعد رسول الله (صلي الله عليه وسلم أبو بكر وعمر، ويقطع لهما بالجنة، ولم يثبت مع علماء الاباضية أحاديث القطع بالجنة للعشرة المبشرين بالجنة، وهي على كل حال أحادية) (14)

ولنا عودة إن شاء الله تعالى إلى هذه القضية وموقف الاباضية منها في مبحث قادم. ب وقعة صفين وما تبعها من أحداث

بعد أن فرغ الإمام علي من وقعة الجمل، ودخل البصرة، وشيع أم المؤمنين عائشة لما أرادت الرجوع إلى مكة، انتقل إلى الكوفة واستقر فيها، ومنها بعث إلى معاوية بن أبي سفيان والي الشام يخبره بما كان في وقعة الجمل، ويعلمه باجتماع المهاجرين والأنصار على بيعته ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس، فجمع معاوية رؤساء أهل الشام واستشارهم في ذلك، فأبوا مبايعة علي رضي الله عنه حتى يقتل قتلة عثمان، أو يسلمهم إليهم، وإن لم يفعل قاتلوه.

وعندها عزم سيدنا علي على الخروج إلى الشام، فخرج على رأس جيش، وأيضاً تهيأ أهل الشام وتأهبوا للخروج، وخرجوا بقيادة معاوية، والتقى الفريقان عند صفين بالغرب من نهر الفرات شرقي بلاد الشام، وتقاتلا، واستمر القتال بينهما سجالاً. حتى دخلت سنة سبع وثلاثين فتحاجز الفريقان شهر محرم رجاء أن يقع بينهم مهادنة وموادعة يؤول أمرها إلى

الصلح بين الناس وحقن دمائهم، وسارت بينهما الرسل، إلا أن معاوية كان يشترط للدخول في الطاعة أن يسلم إليه علي قتلة عثمان فيقتلهم به وفشلت كل محاولات التقريب بين الطرفين، ودارت الحرب بينهما من جديد، واشتد القتال ولاحت بوادر النصر لأهل العراق على أهل الشام، وعند ذلك رفع أهل الشام المصاحف فوق الرماح، وقالوا: هذا بيننا وبينكم. ويقال أن الذي أشار بذلك على معاوية هو عمرو بن العاص، وكان من رأيه في ذلك أن أهل العراق إن أجابوا إلى ذلك كلهم برد القتال، وإن اختلفوا فيما بينهم فشلوا وذهب ريحهم. (15) فلما رفعت المصاحف قال أهل العراق: نجيب إلى كتاب الله وننيب إليه، فقال علي: عباد الله امضوا إلى حقكم وصدقكم وقتال عدوكم، فإن معاوية وعمرو بن العاص ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، أنا أعرف بهم منكم صحبتهم طفلاً وصحبتهم رجالاً. . والله إنهم ما رفعوها، إنهم يقرؤونها ولا يعملون بما فيها، وما رفعوها إلا خديعة ودهاء ومكيدة. فقالوا له: ما يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله فنأبى أن نقبله (16). وقام إليه مسعد بن فدكى التميمي وزيد بن حصين الطائي في عصابة معهما من القراء الذين صاروا بعد ذلك خوارج، فقالوا: يا علي أجب إلى كتاب الله إذا دعيت إليه وإلا دفعناك برمتك إلى القوم، أو نفعل بك ما فعلنا بابن عثمان، إنه غلبنا أن يعمل بكتاب الله فقتلناه، والله لتفعلنها أو لنفعلنها بك. قال: فاحفظوا عني نهيي إياكم واحفظوا مقالتكم لي، أما أنا فإن تطيعوني فقاتلوا، وإن تعصوني فاصنعوا ما بدا لكم. قالوا: فابعث إلى الأشتر فليأتك ويكف عن القتال. وكان الأشتر النخعي قد صار إليه أمر الميمنة في جيش علي، وهو الذي شدد في حمله على أهل الشام، فبعث إليه علي ليكف عن القتال، فأقبل الأشتر على عليّ وترك القتال. وبذلك يكون أكثر الناس من العراقيين قد رغب في المصالحة، وهو ما إنتهت إليه معركة صفين (17)

قصة التحكيم: ثم تراوض أهل الشام وأهل العراق بعد مكاتبات ومراجعات على التحكيم وهو أن يحكم كل واحد من الأميرين علي ومعاوية رجلاً من جهته، ثم يتفق الحكمان على ما فيه مصلحة للمسلمين فوكل معاوية عمرو بن العاص، وأراد علي أن يؤكل عبد الله بن عباس، ولكنه منعه القراء، ممن ذكرنا، وقالوا: لا نرض إلا بأبي موسى الأشعري. فقال علي: قد عصيتموني في أول الأمر فلا تعصوني الآن لا أرى أن أولي أبا. فقال الأشعث، وزيد بن الحصين. ومسعر بن فدكي: لا نرضى إلا به فإنه قد حذرنا ما وقعنا فيه. قال علي: فإنه ليس بثقة قد فارقني وخذل الناس عني ثم هرب مني حتى أمنته بعد أشهر، ولكن هذا ابن عباس أوليته ذلك. قالوا: والله لا نبالي أنت كنت أم

موسى.

81

80