الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٤٤

ابن عباس، لا نريد إلا رجلاً هو منك ومن معاوية سواء. قال علي: إني أجعل الأشتر قالوا: وهل سعر الأرض غير الأشتر. فقال: قد أبيتم إلا أبا. قالوا:: موسي، قال:: نعم فاصنعوا ما أردتم (18). ثم حضر الحكمان عمرو وأبو موسى وكتبا بينهما كتاباً، وأجلا القضاء إلى رمضان على أن يجتمعا في دومة الجندل ومع كل واحد منهما أربعمائة رجل من أصحابه، وخرج الأشعث بن قيس بذلك الكتاب يقرأه على الناس، فمر على ملأ من بني تميم، فقام إليه عروة بن جرير، وهو أخو أبي بلال بن مرداس بن جرير - رئيس الخوارج فيما بعد= فقال: أتحكمون في دين الله الرجال، ثم ضرب بسيفه عجز دابة الأشعث بن قيس، وقد أخذ هذه الكلمة، من هذا الرجل طوائف من أصحاب علي من القراء، وقالوا: لاحكم إلا لله،

قسموا المحكمة (19)

عشر

وتفرق الناس إلى بلادهم من صفين، فخرج معاوية إلى دمشق بأصحابه، ورجع علي إلى الكوفة وقد انقسم جيشه إلى قسمين قسم يرى التحكيم، وقسم يعارضه، فلما وصلها انعزل عنه طائفة من جيشه، وانضم إليهم آخرون من غيرهم حتى بلغوا اثني عشر ألفاً وقيل: ستة ألفاً، فبعث إليهم ابن عباس فناظرهم فيما ورد عليهم مما توهموه شبهة ولم يكن له حقيقة في نفس الأمر، فرجع بعضهم واستمر بعضهم الآخر على رأيهم. ويقال بأن علي بن أبي طالب قد ناظرهم فيما عابوا عليه في كونه حكم الرجال، وأنه محى اسمه من الإمرة في كتاب التحكيم ومما قاله: من زعيمكم؟ قالوا: ابن الكواء قال: فما أخرجكم علينا؟ قالوا: حكومتك يوم صفين. قال: أنشدكم الله أتعلمون أنهم حيث رفعوا المصاحف وقلتم نجيبهم. قلت لكم: إني أعلم بالقوم منكم إنهم ليسوا بأصحاب دين، وذكر ما قاله لهم، ثم قال: قد اشترطت على الحكمين أن يحيا ما أحيا القرآن ويميتا ما أمات القرآن، فما حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف وأن أبيا فنحن عن حكمها برآء. قالوا: فخبرنا أتراه عدلاً تحكيم الرجال في الدماء؟ فقال: إنا لسنا حكمنا الرجال، إنما حكمنا القرآن، وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق إنما يتكلم به الرجال. قيل: والخوارج يزعمون أنهم قالوا له: صدقت قد كنا كما ذكرت وكان ذلك كفراً منا، وقد تبنا إلى الله، فتب كما تبنا نبايعك وإلا فنحن مخالفون. (20)

اجتماع الحكمين: واجتمع الحكمان كما تشارطوا عليه وقت التحكيم، وكان اجتماعهم بدومة الجندل، فتراوضا على المصلحة للمسلمين، ثم اتفقا على أن يعزلا علياً ومعاوية، ثم يجعلا الأمر شورى بين الناس ليتفقوا على الأصلح لهم منهما أو من غيرهما، ثم جاءا إلى المجمع الذي فيه الناس، فقال عمرو: يا أبا موسى قم فأعلم الناس بما اتفقنا

عليه، فخطب أبو موسى الناس ومما قال: اتفقت أنا وعمرو على أن نخلع علياً ومعاوية. ونترك الأمر شورى، وتستقبل الأمة هذا الأمر فيولوا عليهم من أحبوه، وإني قد خلعت علياً ومعاوية ثم تنحى وجاء عمرو فقام مقامه وخطب الناس فقال: إن هذا قد قال ما سمعتم، وإنه قد خلع صاحبه وإني قد خلعته كما خلعه، وأثبت صاحبي معاوية، فإنه ولي عثمان عفان، والطالب بدمه وهو أحق الناس بمقامه. (21).

بن

فقام أبو موسى وتكلم مع عمرو بكلام فيه غلطة، ورد عليه عمرو بمثله، وتفرق الناس كل في وجه إلى بلادهم، فأما عمرو وأصحابه فدخلوا على معاوية فسلموا عليه بتحية الخلافة، وأما أبو موسى فاستحيى من علي، فذهب إلى مكة، ورجع ابن عباس ومن معه

من

ممن حضر التحكيم إلى علي بن أبي طالب فأخبروه بما فعل أبو موسى وعمرو. خروج الخوارج من الكوفة ومبارزتهم علي لما بعث علي بن أبي طالب أبا موسى ومن معه إلى دومة الجندل، اشتد أمر القرّاء الذين عرفوا فيما بعد بالخوارج وبالغوا في النكير على علي وصرحوا بكفره، وجاءه رجلان منهم، وهما زرعة بن برج الطائي، وحرقوص بن زهير السعدي فقالا: لا حكم إلا لله، فقال علي: لا حكم إلا لله، فقال له حرقوص: تب خطئتك واذهب بنا إلى عدونا حتى نقاتلهم حتى نلقا ربنا، فقال علي: قد أردتكم علي ذلك فأبيتم، وقد كتبنا بيننا وبين القوم عهوداً وقد قال الله تعالى: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم، فقال له حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه، فقال علي: ما هو ذنب ولكنه عجز من الرأي، وقد تقدمت إليكم فيما كان منه، ونهيتكم عنه، فقال له زرعه: أما والله يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله لأقاتلنك أطلب بذلك رحمة الله ورضوانه فقال علي: تبالك ما أشقاك، كأني بك قتيلاً، تسفى عليك الريح. فخرجا من عنده يحكمان وفشى فيهم ذلك وجاهروا به الناس، وتعرضوا لعلي في خطبه وأسمعوه السب والشتم والتعريض بآيات من القرآن. فقال لهم علي: إن عليكم أن لا تمنعكم مساجدنا ما لم تخرجوا علينا، ولا تمنعكم نصيبكم من هذا الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا (22). ثم إن الخوارج لقي بعضهم بعضاً وتواعدوا على الاجتماع في منزل عبد الله بن وهب الراسبي، ولما اجتمعوا تخاطبوا فيما بينهم، واستقر رأيهم على أمور ثلاثة:- الأول: تولية رجل منهم أميراً عليهم.

الثاني:- اعتزال أهل الكوفة إلى المدائن أو غيرها. الثالث:- مكاتبة من هو على رأيهم من أهل البصرة وغيرهم، ليوافوهم في المكان الذي

يجتمعون فيه

83

82