الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٤٥

وفعلاً تم تنفيذ ما اتفقوا عليهم فقد بايعوا عبد الله بن وهب الراسبي أميراً عليهم، وخرجوا من الكوفة متسللين فرادا وجماعات صغيرة، وكتبوا إلى أهل البصرة، فجاء إليهم من أهلها خمسمائة رجل واجتمع الجميع في النهروان بالقرب من نهر دجلة، وصارت لهم

شوكة ومنعة.

أما علي بن أبي طالب فلما بلغه ما انتهى إليه الحكمان وما فعله الخوارج من الخروج إلى النهروان قام في الناس خطيباً، وتكلم فيما فعله الحكمان، فرد عليهما ما حكما به، ثم ندب الناس إلى الخروج إلى الجهاد في أهل الشام، وكتب إلى الخوارج يعلمهم أن الذي حكم به الحكمان مردود عليهما، وأنه قد عزم على الذهاب إلى الشام، ويطلب منهم الخروج معه لقتال معاوية ومن معه فكتبوا إليه أما بعدك فإنك لم تغضب لربك وإنما غضبت لنفسك وإن شهدت على نفسك بالكفر واستقبلت التوبة نظرنا فيما بيننا وبينك وإلا فقد نابذناك على سواء. فلما قرأ علي كتابهم يئس منهم، ورأى أن يدعهم ويمضي بالناس حتى يلقى أهل الشام، وخرج من الكوفة إلى النخيلة في عسكر كثيف، وبينما هو كذلك إذ بلغه أن الخوارج من أهل البصرة قد اعترضوا الناس بالقرب من النهروان فقتلوا ثلاث نسوة من طيء، وقتلوا أم سنان الصيداوية، وقتلوا عبد الله بن خباب وهو ابن الخباب بن الأرت صاحب رسول الله (صلي الله عليه وسلم وبقروا بطن امرأته، بعد أن سألوه عن رأيه في عثمان في أول خلافته وفي آخرها، وعن رأيه في علي قبل التحكيم وبعده، فكان أن قال لهم عن عثمان رنّه كان محقاً في أولها وفي أخرها. وقال لهم عن علي: إنه أعلم بالله منكم، وأشد توقياً على دينه، وأنفذ بصيرة. وعندها أرسل علي إليهم الحارث بن مرة العبدي ليسألهم فيما بلغه عنهم، فلما دنا منهم الحارث يسائلهم قتلوه، وأتى علياً الخبر والناس معه، فقالوا: يا أمير المؤمنين علام ندع هؤلاء وراءنا يخلفونا في عيالنا وأموالنا؟ سر بنا إلى القوم فإذا فرغنا منهم سرنا إلى عدونا من أهل الشام؟

واجتمع رأي علي ومن معه على هذا المقترح، وساروا إلى الخوارج، وبعث إليهم علي (رضي الله عنه أن ادفعوا إلينا قتلة أو إخواننا إننا منكم حتى أقتلهم ثم أنا تارككم وذاهب إلى الشام، فبعثوا إليه يقولون: كلنا قتلة إخوانكم. فخرج إليهم قيس بن سعد بن عبادة فقال لهم: عباد الله أخرجوا إلينا طلبتنا منكم، وادخلوا في هذا الأمر الذي خرجتم منه، وعودوا بنا إلى قتال عدونا وعدوكم فانكم ركبتم عظميا من الأمر تشهدون علينا بالشرك، وتسفكون دماء المسلمين. فقال له عبد الله شجرة السلمي: إن الحق قد أضاء لنا فلسنا متابعيكم أو تأتونا بمثل عمر.

غداً.

وخطبهم أبو أيوب الأنصاري فقال: عباد الله إنا وإياكم على الحال الأولى التي كنا عليها ليست بيننا وبينكم فرقة فعلام تقاتلوننا؟ فقالوا: إنا لو تابعناكم اليوم حكمتم. وأتاهم علي بن أبي طالب فخوفهم وحذرهم و ما قاله لهم: إني نذير لكم أن تصبحوا تلعنكم الأمة غدا صرعي بأثناء هذا الوادي، وبأهضام هذا الغائط = المكان المنخفض = بغير بينة من ربكم ولا برهان، مبين، ألم تعلموا أني نهيتكم عن الحكومة، ونبأتكم أنه مكيدة، وأن القوم ليسوا بأصحاب دين فعصيتموني! فلما فعلت شرطت واستوثقت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن ويميتا ما أمات القرآن، فاختلفا وخالفا حكم الكتاب والسنة، فنبذنا أمرهما، ونحن على الأمر الأول، فمن أين أتيتم؟ فقالوا: إنا حكمنا، فلما حكمنا أثمنا وكنا بذلك كافرين، وقد تبنا، فإن تبت فنحن معك ومنك، وإن أبيت فأنا منابذوك على سواء.

فقال علي: أصابكم حاصب ولا يبقي منكم وابرا أبعد إيماني برسول الله (صلى الله عليه وسلم وهجرتي معه وجهادي في سبيل الله أشهد على نفسي بالكفرا لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين. ثم انصرف عنهم علي. فتنادوا فيما بينهم: لا تخاطبوهم، وتهيأوا للقاء الله، الرواح الرواح إلى الجنة، وأخذوا بالتأهب للقتال،. وتأهب عليّ أيضاً، وأعطى أبا أيوب الأنصاري راية الأمان لمن أراده منهم. فناداهم أبو أيوب قائلاً: من جاد إلى هذه الراية فهو آمن، ومن انصرف إلى الكوفة والمدائن فهو آمن، إنه لا حاجة لنا فيكم إلا فيمن قتل إخواننا. فانصرف منهم طوائف كثيرة، ولم يبق منهم مع عبد الله بن وهب إلا الف وثمان مائة رجل فزحفوا إلى علي بن أبي طالب، وكان قد قال لأصحابه: كفو عنهم حتى يبدأوكم، فتندوا: الرواح إلى الجنة. وحملوا على جيش عليّ، فاستقبلت الرماة وجوههم بالنبل وعطفت عليهم الخيل من الميمنة والميسرة، فصاروا صرعى، وقتل أمراؤهم عبد الله بن وهب

الراسبي: وحرقوص من بينهم، فإذا هم أربعمائة، فسلمهم إلى قبائلهم ليداووهم. وأخذ الناس يقولون لعلي بن أبي طالب: الحمد لله يا أمير المومنين الذي قطع دابرهم فقال علي، كلا والله إنهم لفي أصلاب الرجال وأرحام النساء، فإذا خرجوا من بين الشرايين، فقل ما يلقون أحداً، إلا ألبوا. أن علياً سُئل عن أهل النهروان أمشركون هم؟ فقال من الشرك فروا، قيل: أمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً، فقيل ما هم يا أمير المؤمنين؟ قال:

وروي

إخواننا بغوا علينا، فقاتلناهم بغيهم علينا (23).

85

??