الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٤٦

رجوع علي بن أبي طالب إلى الكوفة واستشهاده فيها: لما فرغ علي بن أبي طالب (رضي الله عنه من أهل النهروان أراد أن يتوجه من فوره إلى الشام لمقاتلة معاوية، لكن من معه من أهل العراق قالوا له: يا أمير المؤمنين نفذت بنا لنا، وكلت سيوفنا، ونصلت أسنتنا فانصرف بنا إلى مصرنا حتى نستعد بأحسن عدتنا، ولعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا عدة من فارقنا وهلك منا، فإنه أقوى لنا على عدونا (24).

فاستجاب علي بن أبي طالب لما طلبه منه أهل العراق، وعاد إلى الكوفة، وكان كلما أراد الخروج إلى الشام خالفه أهل العراق ونكلوا عن القيام معه. أما أهل الشام فقد استفحل أمرهم وصالوا وجالوا يميناً وشمالاً زاعمين أن الخلافة لمعاوية بمقتضى حكم الحكمين في خلعهما علياً وتولية عمرو بن العاص معاوية عند خلوة الإمرة عن أحد، وقد كان أهل الشام يسمون معاوية بعد التحكيم الأمير، وكانوا كلما ازدادوا قوة ضعف جأش أهل العراق، وبدأت الأمور تتنغص على علي حتى كره الحياة و تمنى الموت لكثرة الفتن وظهور المحن، كثيراً ما يقول: والذي خلق الحبة وبرأ النسمة لتخضين هذه من هذه، للحيته من رأسه فما يحبس أشقاها (25)

وكان

وفي السابع عشر من شهر رمضان سنة أربعين للهجرة كان له ما أراد، فقد عدا عليه عبد الرحمن بن ملجم وهو خارج إلى صلاة الفجر فضربه بالسيف فقتله، وكان سبب ذلك أن عبد الرحمن بن ملجم المرادي، والبرك بن عبد الله التميمي، وعمرو بن بكر التميمي، وهم من الخوارج قد اجتمعوا فتذاكروا أمر الناس وعابوا عمل ولاتهم، ثم ذكروا أهل النهروان، فترحموا عليهم وقالوا: ما نصنع بالبقاء بعدهم. فلو شرينا أنفسنا وقتلنا أئمة الضلالة وأرحنا منهم البلاد، فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم عليا = وكان من أهل مصر = وقال البرك: أنا أكفيكم معاوية، وقال عمرو بن بكر: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، فتعاهدوا أن لا ينكص أحدهم عن صاحبه الذي توجه إليه حتى يقتله أو يموت دونه، وأخذوا سيوفهم فسموها وأتعدوا لسبع عشرة من رمضان.

وقصد كل رجل منهم الجهة التي يُريد، ولما كانت ليلة السابع عشر قام ابن ملجم لتنفيذ ما واعد عليه صاحباه، فجلس مقابل بيت علي، فلما خرج علي لصلاة الفجر، ضربه ابن ملجم بالسيف وقال: الحكم لله لا لك يا علي ولا لأصحابك. فنادى علي عليكم به، فشد الناس عليه فأمسكوا به، وحمل علي إلى منزله، وحمل إليه ابن ملجم فقال له عليّ: أي عدو الله ألم أحسن إليك؟ قال: بلى، قال: فما حملك على هذا؟ قال: شحذته أربعين صباحا وسألت الله أن يقتل به شر خلقه. فقال علي: لا أراك إلا مقتولاً به، ولا أراك إلا من شر خلقه، ثم قال: النفس بالنفس إن هلكت فاقتلوه كما قتلني، وإن

بقيت رأيت فيه رأيي، يا بني عبد المطلب، لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين تقولون: قد قتل أمير المؤمنين ألا لا يقتلن إلا قاتلي، ثم كتب وصيته ولم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى مات رضي الله عنه. وأما البرك بن عبد الله فإنه قعد لمعاوية في تلك الليلة التي ضرب فيها علي فلما خرج معاوية ليصلي بالناس شدّ عليه بالسيف فوقع السيف في إليته، فأخذ فقال لمعاوية: إن عندي خبراً أسرك به، فإن أخبرتك فنافعني ذلك؟ قال: نعم. قال: إن أخاً إلي قد قتل علياً هذه الليلة. فأمر به معاوية فقتل، وبعث معاوية إلى الطبيب فلما نظر إليه قال: اختر إما أن أحمي حديدة فأضعها موضع السيف، وإما أن أسقيك شربة تقطع منك الولد وتبرأ منها فإنّ ضربتك مسمومة، فقال معاوية. أما النار فلا صبر لي عليها وأما الولد فإن في يزيد وعبد الله ما تقر به عيني فسقاه شربة فبرئ ولم يولد له بعدها. وأمر معاوية عند ذلك بالمقصورات وحرس الليل، وقيام الشرطة على رأسه إذا سجد وهو أول من عملها في الإسلام. وأما عمرو بن بكر فإنه جلس لعمرو بن العاص تلك الليلة فلم يخرج وكان اشتكى بطنه فأمر خارجة بن أبي حبيبة وكان صاحب شرطته، فخرج ليصلي بالناس، فشد عليه وهو يرى أنه عمرو بن العاص فضربه فقتله، فأخذه الناس إلى عمرو فسلموا عليه بالإمرة فقال: هذا؟ قالوا: عمرو، قال: فمن قتلت؟ قالوا: خارجة. قال: أما والله يا فاسق ما ظننته غيرك، فقال عمرو: أردتني وأراد الله خارجة، فقدمه هذ هي وقعة صفين بأبرز أحداثها وتداعياتها، ولعل أهم ما أدت إليه من نتائج هو انقسام الأمة الإسلامية إلى ثلاثة فرق: (أهل السنة والجماعة، الشيعة، الخوارج). وقد يكون من غير المفيد الخوض في تفاصيل هذه الواقعة وما تبعها من أحداث لما لذلك من أثر سيء على وحدة أبناء الأمة في وقتنا الحاضر، ولكن ما دفعنا إلى ذلك هو ما نجده من بعض الباحثين من إصرار على نبش الماضي إما دفاعاً عن رأي إحدى الفرق، أو تأويلاً للذي حدث ليتفق مع أصول ومبادئ فرقة أخرى.

من

عمرو

فقتله (26)

هؤلاء الباحثين الأستاذ ناصر بن سليمان السابعي، أحد الاباضية المعاصرين من ومن أهل عُمان، وصاحب كتاب الخوارج والحقيقة الغائبة، وهو في أصله رسالة علمية تقدم بها لنيل درجة الماجستير في الحديث الشريف من جامعة آل البيت في الأردن عام 1998 م وعنوانها:" الأحاديث الواردة في الخوارج، تخريج ودراسة "

وفي هذا الكتاب خصص الباحث الباب الأول منه للحديث عن ظهور الخوارج، وبيان أهم فرقهم وما ينسب إليها من آراء، وقد تناول بالتحليل والدراسة مواقف وآراء أهل النهروان بعد معركة صفين، واستطاع بحنكة وذكاء أن يخلص إلى سلامة موقفهم وصواب رأيهم،

AV

86