الإباضية مذهب لا دين
الجزء ١ · صفحة ٤٧وبراءتهم من كل ما قد يشينهم أو يشكك فيهم، وقد سجل كل ما انتهى إليه في خاتمة الكتاب ومما جاء فيها قوله: (هذا وقد تجلى للقارئ الكريم أن أهل النهروان ومعارضي التحكيم الذين قيل عنهم ما قيل طوال القرون الغابرة، والذين طالما شوهت حقيقتهم ونالهم من ظلم الفرق الأخرى ومن حيف كثير من المؤرخين والكتاب الشيء الكثير، كانوا في الحقيقة طلاب حق أصابوه، وإن قيل عنهم غير ذلك، بل كانوا هم أصحاب الرأي الحازم والنظرة النافذة في أعماق الأحداث، وقد جرت الأمور على ما توقعوه، والمتأمل في المجريات التاريخية يتبين له صدق هذه النتيجة. ولا غرابة في ذلك، فقد كانوا من أهل الفضل والعلم، وكان فيهم جملة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بل تدل بعض الروايات على أن فيهم السن الأول من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، أي الأقدمين منهم، كما وصفوا بأنهم أصحاب البرانس والسواري، وفي ذلك دلالة واضحة على اتصافهم بنعوت الخير والتقى والزهد في الحياة، ووصفوا بالقراء الذي كان لقباً للعلماء
والفقهاء يومئذ) (27)
وما انتهى إليه الباحث أمر متوقع منه بعد الذي ذكره في بداية المبحث الثالث من الباب الأول في استعراض حجج معارضي التحكيم في اعتزال الإمام علي حيث قال: تعبر مواقف المعارضين للتحكيم بدءاً من رفع المصاحف إلى الاعتزال إلى حروراء ثم إلى النهروان عن صلابة في التمسك بهذا المبدأ ولعل الثبات عليه إلى درجة الموت من أجله. يدفعنا إلى إعادة تقويم لمسألة التحكيم لاكتناه الحقيقة فيه وفي مواقف معارضيه .... لكننا نجد الحوار في قضية التحكيم وأسبابه ونتائجه لا يتوقف بنهاية معركة النهروان بل نجد لكلا الفريقين المعارض والمؤيد أنصاراً يناظرون مخالفيهم معلنة النتائج عند كل فريق عن انتصاره على الفريق الآخر (28).
فقوم ثبت أسلافهم على آرائهم إلى درجة الموت، وتوارثوا هذه الآراء جيلاً بعد جيل، وتعلموها على أنها أصول ومبادئ ثابتة، لا يتوقع منهم أن يحيدوا عنها، أو أن يسمحوا بأن تمس أو يشكك فيها (29)، بل إن الشك كل الشك فيمن يحاول ذلك.
وأنا في كتابي هذا لا أنصب من نفسي عدواً لهؤلاء ولا مجرحاً لهم. وكيف لي أن أكون كذلك، وهذا سيدنا، على كرم الله وجهه، وهو الذي قال عنهم وقالوا عنه، وقاتلهم وقاتلوه، يقول فيهم "إخواننا بغوا علينا" وإنما أنا باحث أتيحت لي فرصة الإطلاع على كثير من مؤلفات الإباضية المختلفة، بعد أن كان إطلاعي قبل ذلك قاصراً على كتبهم الفقهية بحكم طبيعة تخصصي، فتكونت عندي آراء رأيت انطلاقاً من مبدأ حرية إبداء الرأي وأمانة البحث العلمي أن أطلع عليها الآخرين وأدونها من خلال هذا الكتاب، وهذا مع علمي تمام
العلم بأن ما أقوله لن يغير بالنسبة إلى الإباضية شيئاً للعلة التي ذكرتها آنفاً، وأعلم أيضاً بأنهم سيردون على ما أقول وبنفس الأدلة التي يعتمدون عليها في إثبات سلامة كل ما ذهبوا إليه، فهم يتتبعون كل ما يكتب عنهم، فيظهرون منه ما يؤيدهم، ويمدحونه ويستشهدون به، ويردون منه مالا يتفق مع ما ذهبوا إليه، ولو كان هذا الذين يردونه حقيقة واضحة وضوح الشمس في وسط النهار. يقول الإمام محمد أبو زهرة في معرض حديثه عما اتصفت به فرقة الخوارج من صفات: (وقد كان التعصب يسود جدلهم، فهم لا يسلمون لخصومهم ولا يقتنعون بفكرة مهما تكن قريبة من الحق، أو واضحة الصواب، بل لا تزيدهم قوة الحجة عند خصومهم إلاّ إمعاناً في اعتقادهم، وبحثاً عما يؤيده، والسبب في ذلك استيلاء أفكارهم على نفوسهم، وتغلغل مذاهبهم في أعماق قلوبهم، واستيلاؤها على كل مواضع تفكيرهم وطرق إدراكهم، ذلك لددوشدة في الخصومة تمثل نزعتهم البدوية. وقد كان ذلك من أسباب وكان فيهم مع. تحيزهم إلى جانب فكرة واحدة والنظر إليها من هذا الجانب وحده غير معتبرين سواه) (30). وهنا وعند الحديث عن قضية التحكيم وما أعقبها من أحداث لن أركز على الروايات التاريخية لأرد منها طائفة وأرجح أخرى، وإنما سأركز على أمر قد غفل عنه كثير من الباحثين الذين أدلو بدلوهم في هذا الموضوع، وهو هل كانت مواقف وآراء من سموا بالقراء أو بالحرورية، أو بأهل النهروان، أو بالمحكمة أو بالخوارج، أو بأهل الدار، ابتداء من الفتنة التي حصلت وانتهاء بما نجده في مصادر الإباضية تتفق مع الإسلام في قواعده ومبادئه العامة، وما كان عليه العمل في عهد سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) وعهد خليفتيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما؟ وأبرز قضايا الخلاف في هذا الموضوع يمكن تلخيصها في مسائل هي:- المسألة الأولى: موقف أهل النهروان من قضية التحكيم وما ترتب عليه. المسألة الثانية:- وجود عدد من الصحابة في صفوف أهل النهروان. المسألة الثالثة: نسبة الكفر إلى عدد من الصحابة المسألة الرابعة:- شخصية عبد الرحمن بن ملجم ونسبته إلى الخوارج. وفيما يلي دراسة لهذه المسائل: المسألة الأولى: موقف أهل النهروان من قضية التحكيم وما ترتب عليه لقد تبين لنا من خلال السياق التاريخي لقضية التحكيم اعتماداً على ما جاء في الكامل لابن الأثير وفي البداية والنهاية لابن كثير أن جماعة من القراء الذين صاروا بعد
89
88