الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٤٨

من

ذلك خوارج يتقدمهم مسعر بن فدكي التميمي، وزيد بن حصين الطائي قد جاءوا إلى علي بن أبي طالب طالبين منه قبول التحكيم استجابة لكتاب الله، وأنه (رضي الله عنه) كان في أكثر من مناسبة يلقي باللائمة عليهم في كونهم أصروا على وقف القتال في صفين وقبول التحكيم: فما كان منهم إلا أن قالوا بأنهم قد تابوا عن قبول التحكيم أول الأمر، واستغفروا هذا الذنب، وأن عليه التوبة منه، إن أراد دخولهم في طاعته. وهذا التغير السريع في موقف أهل حروراء أو القراء يثير حولهم الشكوك، الأمر الذي دفع بعض المعاصرين من الاباضية إلى رفض أن يكون القراء هم الذين ضغطوا على علي بن أبي طالب في أول الأمر لقبول التحكم. فهذا الدكتور صالح الصوافي في كتابه "الإمام جابر بن زيد" وبعد أن ذكر ما قاله الطبري وغيره من المؤرخين عن موقف أهل النهروان من التحكيم يقول: (ويتضح لنا من خلال الجمع بين ما حكاه الطبري وابن أبي الحديد هنا، وبين ما حكاه ابن قتيبة وغيره من أن القراء وعلى رأسهم عبد الله بن وهب الراسي كانوا معارضين للتحكيم من أول الزمر، وما أثبته أيضاً غير واحد من المؤرخين من أن عروة بن أدية وهو من أهل النهروان كان أول من رفض التحكيم وضرب دابة ابن الأشعث بن قيس الداعي إلى التحكيم فأصاب عجزها، يتضح لنا من خلال تأملنا في هذه الرواية وتلك أن ما راواه الطبري وابن أبي الحديد هنا لا يخلو من مجانبة للواقع واندفاع وراء التأثيرات العاطفية) (31)

وهذا السابعي في كتابه "الخوارج والحقيقة الغائبة" يقرر أنه ليس ممكناً القبول بالرواية القائلة بأن القراء نواة المذهب الخارجي هم الذين أكرهوا علياً على القبول. بوقف القتال، لكنه وجد أن الرواية القائلة بذلك على درجة من القوة، الأمر الذي دفعه إلى تجزئة أهل حروراء إلى طائفتين ليثبت أن القراء نواة المذهب الخارجي لم يتخلوا عن مبدئهم الذي انتهجوه من أول الأمر، فقد قال: (غير أنه بناء على كون أهل حروراء مؤلفين من القراء وغيرهم، فإن من المحتمل أن يكون من غير القراء من كان موافقاً على وقف القتال، ممن انضم إلى أهل حروراء حين الاعتزال، إذ نجد رواية البلاذري تجعل عدد المعترضين على التحكيم في صفين أربعة آلاف ونجد أيضاً عدد أهل حروراء أكثر من ذلك ..... ومعنى هذا أن كثيراً ممن قبلوا فكرة التحكيم ابتداء قد اقتنعوا فيما بعد برأي المعارضين) ويقول في موضع آخر: (ولعل وجود طائفة في صفوف أهل حروراء كانت من قبل تؤيد وقف القتال هو الذي سوغ بعد فترة من الزمن لأن تسحب فكرة القراء الذين أجبروا علياً على قبول التحكيم ثم صاروا خوارج بعد ذلك على جميع أهل حروراء) (32).

وأيا ما كان موقف القراء في أول الأمر فإن أهل العراق سواء منهم من حضر صفين أو لم يحضرها قد انقسموا بالنسبة إلى التحكيم إلى فرقتين: الأولى -: وترى قبول التحكيم

تطبيقاً لحكم الله، وهي الفرقة التي مع سيدنا علي بن أبي طالب، وتشكل أكثرية أهل

العراق.

الفرقة الثانية: وترى رفض التحكيم، وهي الفرقة المعروفة بأهل حروراء. وكان من رأي

هذه الفرقة (33):

1 - إن قبول التحكيم ليس مجرد خطأ، وإنما هو أيضاً خروج على الشرع، ومخالفة لأحكام الدين، استناداً إلى آية سورة الحجرات في قتال البغاة.

2 - إن علي بن أبي طالب قد أخطأ كونه حكم الرجال في أمر الله، وهو الأمر بقتال الفئة الباغية، وهي معاوية ومن معه، ومن ثم فإن الخروج عليه أمر محتوم؟ م بمقتضى

كتاب الله

3 - إن علي بن أبي طالب لم يعد أمير المؤمنين بعد أن محا اسم الإمارة عن نفسه عند كتابة وثيقة التحكيم، وأن عليه أن يدخل فيما دخلوا فيه من مبايعة عبد الله بن

وهب الراسبي إماماً، باعتباره خليفة للمسلمين جميعاً

هذا وقد سبق أن أشرنا في السياق التاريخي لوقعة صفين إلى أن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه قد ناظر أهل حروراء بنفسه فيما نقموه عليه، بعد أن كان قد أرسل إليهم عبد الله بن عباس لمناظرتهم فيما ورد عليهم من شبهة إلا أنهم استمروا على رأيهم وأصروا على خروجهم. وحديثاً قام الأستاذ ناصر السابعي في كتابه "الخوارج والحقيقة الغائبة" بحشد الأدلة والبراهين الدالة على سلامة رأي أهل حروارء، كما قام برد كل ما ورد على هذه الأدلة من اعتراضات (34) وحتى لا أقع معه في جدل بيزنطي فإنني أعرض عن مناقشته في كل ما قاله، وأكتفي بذكر الأمور التالية:- أولاً: إن الخلاف بين معارضي التحكيم وغيرهم في الاستدلال بآية قتال البغاة من سورة الحجرات (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين هو اختلافهم في المراد بـ (أمر الله) فعند معارضي التحكيم يقصد به: الاستسلام، قال ناصر السابعي: (أما الآية التي في سورة الحجرات فإن الحكم فيها جلى وهو الأمر بالقتال حتى تفي الطائفة الباغية إلى أمر الله أي تعلن الاستسلام) (35)، وعند جمهور العلماء يقصد به الصلح الذي

90