الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٤٩

أمر الله به في قوله (فأصلحوا بينهما، ويكون بالرجوع إلى حكم كتاب الله والرضى بما فيه لهما أو عليهما (36)، وقد رد ناصر السابعي هذا المعنى حيث قال: (وأما المعنيان في قوله تعالى: حتى تفيء إلى أمر الله فإن الأول وهو أن ترجع إلى الصلح الذي أمر الله به، يحمل على ما إذا كانت الطائفتان المتقاتلتان ليست إحداهما طائفة الإمام الشرعي. أما الإمام الشرعي فلا مناص من الرضوخ لشرعيته، وهذا ما فعله الإمام على مع أهل الجمل، ولم يكن ثمة صلح. فيبقى إذن المعنى الثاني وهو الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله فيما لهم وعليهم، وهذا هو ما دعاهم إليه الإمام علي قبل القتال، ومخالفة أهل الشام لهما كانت السبب لمقاتلتهم من قبل الإمام علي، وليس الرجوع إلى الكتاب والسنة سوى مبايعة الإمام الذي انتخبه المهاجرون والأنصار لا أن يجري التحكيم فيمن أحق بالخلافة على أم معاوية) (37).

وإن المتأمل فيما قاله ناصر السابعي يجده قد حمل الآية على معنى بعيد، وترك المعنى القريب الذي يؤيده سياق النص القرآني، ذلك أن الآية قد رسمت خطوات ثلاثة في معالجة ما يمكن أن يحصل بين المسلمين أنفسهم من نزاع (38):

الخطوة الأولى: وجوب المبادرة بالإصلاح بين الطائفتين المتنازعتين قبل شروعهما في الاقتتال، وذلك عند ظهور بوادره، حيث قال تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) فقوله (اقتتلوا) مستعمل في إرادة وقوع الاقتتال، لأن الإصلاح عند ظهور بوادره أولى من انتظار وقوعه.

الخطوة الثانية: إذا لم تقبل إحدى الطائفتين النزول على حكم الله ورسوله ولم تنصع إلى الإصلاح. كانت باغية عادية، وعلى المؤمنين أن ينصروا الطائفة الأخرى المبغي عليها ولو أدى ذلك إلى مقاتلة الطائفة الباغية، حيث قال تعالى: (فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله). الخطوة الثالثة: أن قتال الفئة الباغية يستمر إلى غاية رجوعها إلى أمر الله وحكمه، فإن رجعت فعلى المسلمين أن يصلحوا بينهما، ويعدلوا في الحكم، ويتحروا الصواب المطابق لحكم الله، حيث قال تعالى: (فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين.

إذن الفيء إلى أمر الله جاء بين إصلاحين أمر الله تعالى بهما: الإصلاح الأول في الابتداء، قبل القتال. والإصلاح الثاني بعد القتال، وقد علل الله سبحانه وتعالى في

الآية

التالية لآية القتال وجه وجوب الإصلاح بين الطائفتين المتقاتلتين حيث قال عز وجل (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون) (39).

وقد بني هذا التعليل على اعتبار حال المسلمين بعضهم مع بعض كحال الأخوة، ومعلوم أنه إذا نشبت مشاقة بين الأخوين لزم بقية الأخوة أن يتناهضوا في إزاحتها مشياً بالصلح

بينهما (40)

وعليه فإن المعنى المناسب لقوله تعالى: حتى تفيء إلى أمر الله) هو المعنى الذي أكدته الآيتان الكريمتان، وهو الصلح بالعدل بين المتنازعين، ومما يؤيد إرادة هذا المعنى ما ختم الله تعالى به الآية الثانية، حيث قال تعالى: (واتقوا الله لعلكم (ترحمون). والخطاب فيها لجميع المؤمنين، ويشمل الطائفتين الباغية والمبغي عليها. ومعنى ترحمون: أي ترجى لكم الرحمة من الله فتجري أحوالكم على استقامة وصلاح، واختيرت الرحمة بعد التقوى، لأن من شأن تعامل الأخوة الرحمة فيما بينهم والرحمة من آثار الإصلاح، لا من آثار الاستسلام تحت حكم السيف، فالاستسلام من شأنه أن يترك آثاراً من الضغينة والبغضاء لا ينحسم معها شر أبداً وإن خمد إلى حين، ومن

(41).

هنا كانت الدعوة إلى المصالحة بين الفريقين وجمعهما على الإخاء والمودة والرحمة

ما

هذا وإزاء وضوح سياق النص القرآني في الدلالة على معناه نجد الأستاذ ناصر السابعي وإمعاناً منه في الانتصار لأهل النهروان، قد حمل هذا المعنى على حالة افترضها، وهي إذا كانت إحدى الطائفتين المتقاتلتين ليست طائفة الإمام الشرعي، مع أن الآية الكريمة لم تذكر حالات للطائفتين المتقاتلتين، حتى نحملها على حالة دون أخرى، وإذا سلمنا بما يقول السابعي فنحن بين خيارين: الأول: أن نقول بأن الآية لا يحتج بها أصلاً حالة في النزاع بين طائفة علي الإمام الشرعي، والطائفة الباغية عليها، وهي طائفة معاوية، لأن الخطاب فيها موجه إلى طائفة ثالثة المكلفة بإجراء الإصلاح، ومقاتلة الفئة الباغية وهي غير موجودة.

هي

الخيار الثاني: أن نقول بأنه إذا لزمت الإجابة إلى الصلح متى فائت إليه الطائفة الباغية، ولم تكن إحدى الطائفتين طائفة الإمام الشرعي، فإنه من باب أولى أن تجيب إلي الصلح طائفة الإمام إذا كانت هي إحدى الطائفتين المتنازعتين للعلة ذاتها التي من أجلها كانت الإجابة للصلح.

والخيار الأول رفضه الأستاذ السابعي حيث قال: (إن كون الأمر بالإصلاح بين الطرفين المتقاتلين موجها إلى طرف ثالث غيرهما وارد لكنه غير لازم، ولربما جاز ذلك إن كان

93

92