الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٥٠

المتقاتلان طائفتين لا ينتمي الإمام إلى أحدهما، فيكون الإمام هو الذي يصلح بينهما أو يقاتل الطائفة الباغية، أو يأمر من يقوم بذلك، أما إذا بغت فئة على إمام المسلمين وجماعته فمن غير المنطقي أن ينتظر طرف ثالث ليحل النزاع، ويلزم حينئذ ألا يتم إصلاح إن لم يوجد

طرف ثالث قادر على ذلك) (42)

وإذا سقط الخيار الأول بقي الخيار الثاني، وبهذا يكون رأي القائلين بقبول التحكيم والإجابة إلى الصلح هو الأرجح لانسجامه مع سياق النص القرآني في آية قتال البغاة. ثانياً: من المبادئ العامة المقررة في الشريعة الإسلامية أن الأصل في الدماء الحظر إلاّ بيقين الإباحة، ومن يطالع سيرة الرسول (صلى الله عليه وسلم يجده عليه الصلاة والسلام قد حرص على تطبيق هذا المبدأ، ومن الشواهد على ذلك:

أ - إيثاره عليه الصلاة والسلام الدعوة بالحسنى والرفق واللين على الحرب والقتال، فلم يقاتل من سالمه، عملاً بقوله تعالى: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يجب المقسطين) (43) ب توقفه عليه السلام عن مقاتلة من طلب الأمان، وميله إلى الصلح، عملاً بقوله تعالى: "وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله (44) وقوله تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها) (45).

ج قبوله عليه الصلاة والاسلام صلح الحديبية، إيثاراً للسلام على الحرب وقد خرج معظماً للبيت الحرام على الرغم من وجود بعض الشروط المجحفة بالمسلمين، وقال حينئذ: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم

إياها) (46)

فإذا كان هذا هو هدية عليه السلام في العلاقة مع غير المسلمين الذين يكونون في حالة حرب مع المسلمين، فكيف يكون هدية عليه السلام في علاقة المسلمين بعضهم مع بعض إذا كانوا في حالة حرب بسبب بغي فئة منهم على أخرى؟

إن هدية في ذلك نلتمسه في موقف الصحابة رضي الله عنهم) في وقعة الجمل وقبل أن ينزع الشيطان بينهم، فقد اتفقوا على الصلح لكن المندسين وذوي الأغراض الخفية رأوا أن الدائرة ستدور عليهم إن تحقق الصلح وتفرق المسلمون على ذلك، فعمدوا إلى إشعال نار الحرب بين الطائفتين وكان ما كان

سنة

سبع

ونلتمسه في موقف الصحابة في صفين حيث تحاجز الفريقان عن القتال شهر محرم من وثلاثين حقناً للدماء ورجاء تحقق الصلح، ولم ينقل لنا اعتراض القراء ولا غيرهم على ذلك، لكن إصرار معاوية على الاقتصاص من قتلة عثمان أولاً، حال دون الاتفاق على الصلح. ونلتمسه في موقف الإمام علي ربيب بيت النبوة، قبيل وقعة النهروان، حيث نصب راية الأمان حرصاً منه على عدم إراقة الدماء، لكن عناد أولئك الذين استولت أفكارهم على عقولهم، وتوهمهم أن ولوج الجنة متوقف على خوض غمار المعركة ضد علي، أدى إلى

حصول ما حصل وصدق التابعي الكبير إمام البصرة الحسن البصري وقد سئل عن القتال بين الصحابة فقال: (شهد أصحاب محمد وغبنا، وعلموا وجهلنا) (47). فالصحابة الذين شهدوا القتال في صفين ورأوا ألوف المسلمين صرعى من الجانبين، هم الذين مالوا إلى التحكيم. حقناً للدماء، ورجاء أن يصلح الله بين المسلمين بما فيه خيرهم، أما نحن فقد غبنا، فكانوا هم أعلم بما طلبوه ومالوا إليه منا. ومن قال في هذا الأمر غير ذلك، فعلى أحسن تقدير قوله حق أريد به باطل، وهذا حكم نطق به من أحبه الله ورسوله، سيدنا علي كرم الله وجهه. ثالثاً: إن من أهم القواعد الأساسية التي يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام، قاعدة الشورى، وذلك حتى لا يستبد في أمور الدولة فرد واحد أو أفراد قليلون. والشورى في مفهومها الإسلامي تعني: استطلاع رأي الأمة أو من ينوب عنها في أمر من الأمور المتعلقة بها، بهدف التوصل إلى الرأي الأقرب إلى الصواب، والموافق لأحكام الشرع تمهيداً لاتخاذ القرارات المناسبة في موضوعه. وقد ثبتت مشروعيتها بأدلة كثيرة منها قوله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك نفضوا من حولك عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب

فاعف

المتوكلين) (48).

وهذه الآية جاءت خطاباً موجهاً لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) من بين الآيات التي تتحدث عن غزوة أحد وما فيها من دروس، وهي الغزوة التي تم اختيار مكانها بمشوره بين الرسول (صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فكان رأي الأقلية ومعهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم أن يكون القتال في المدينة، بينما كان رأي الأكثرية أن يخرجوا لملاقاء المشركين

95

94