الإباضية مذهب لا دين
الجزء ١ · صفحة ٥١خارج المدينة، ومرت أحداث هذه الغزوة، وكان من نتيجتها أن أصيب المسلمون، واستشهد جمع كبير من الصحابة، فما كان من المنافقين وكانوا قد انسحبوا من الجيش قبل المعركة، إلا وأن طعنوا برأي الأكثرية واعتبروه سبب المصيبة (49)، فقد قال تعالى على لسانهم: (يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا) (50). وقال تعالى: (لو كانوا عندنا
ما ماتوا وما قتلوا) (51). هذا وإن المتتبع لأحداث وقعة صفين يجد أن الإمام علي قد استطلع رأي أصحابه في وقف القتال وقبول التحكيم، وبالمقارنة بين تلك الأحداث وبين ما كان في غزوة أحد نجد تشابهاً بينهما من حيث:-
-1 - إن رئيس الدولة قد أخذ برأي الأكثرية، مع أن رأيهم كان مخالفاً لرأيه .. 2 - إن نتائج الأخذ بالشورى جاءت على خلاف المتوقع، فالمسلون في غزوة أحد أصابهم قرح عظيم، والتحكيم جاءت نتائجه على خلاف ما توقعه الإمام علي، فقد كان (رضي الله عنه) لا يشك في أن نتيجة التحكيم ستكون لصالحه بناء على الشرط بأن يحكم الحكمان بكتاب الله
-3 - إن الأقلية التي لم يأخذ رئيس الدولة برأيها، قد طعنت برأي الأكثرية واعتبرته سبب المصيبة. ولكن هل صوب القرآن موقف المعارضين لما استقر عليه أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) من الخروج خارج المدينة، وأعطاهم الحق في اعتزاله (صلى الله عليه وسلم، والتشهير بمن أشار عليه بالخروج، كون أن مشورتهم كانت سبب ما أصاب المسلمين؟
ذلك
والاجابة على ذلك واضحة من خلال سياق النص القرآني (فبما رحمة من الله لنة لهم ...... فالله سبحانه وتعالى يعلم أن نتائج الشورى لا تكون دائماً موفقة، ومع أمر رسوله بها، وأمره بالتوكل عليه إذا عزم على أمر من أمورها (وشاروهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله، وكان قبل ذلك قد أمره بأن يكون ليناً مع الذين خالفوه في الرأي رحيماً بهم، عفوا عنهم مستغفراً لهم
وعليه فإن ما كان من أهل النهروان من اعتزال الإمام علي والتعريض به، لنزوله على مشورة أصحابة في إجابة الدعوة إلى تحكيم كتاب الله في الصراع الدائر بينه وبين معاوية لا يتفق مع الهدي القرآني، بل إن اعتزالهم يعد سابقة تاريخية خطيرة، ذلك أنه إذا جاز لكل فئة ترى رأياً مخالفاً لما يراه الإمام في أمور الشورى أن تعتزله وتؤلب عليه جماعة المسلمين، فكيف تستقر الأمور داخل الدولة؟
رابعاً: من النتائج التي رتبها أهل النهروان على قبول سيدنا علي التحكم أنه لم يعد أمير المؤمنين بعد أن محا اسم الإمارة عن نفسه عند كتابة وثيقة التحكيم، لأنه بهذا يكون قد تنازل عن حق شرعي أكسبته الأمة إيّاه ببيعتها له، ووضع نفسه على قدم المساواة مع معاوية، فلم يعد سوى رئيس العراقيين وشيعتهم. مثلما كان معاوية رئيس شيعة أهل الشام.
بينما يرى مؤيدوا التحكيم أن محو اسم الإمارة عن علي لا يخلعه منها بدليل ما فعله النبي (صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية حين رفض المشركون كتابة اسم الرسالة له في وثيقة الصلح، فقد قبل عليه السلام ذلك، ووافق على كتابة اسمه بدون وصف الرسالة، وقد رد أهل النهروان ومن قال بقولهم هذا الاستدلال بدعوى أن ما فعله النبي (صلى الله عليه وسلم كان بوحي، فهو مختص به دون غيره (52). وعلى فرض التسليم بدعوى الخصوصية، وأن علي لم يعد أميراً للمؤمنين، فإن منصب الخلافة بذلك يكون شاعراً، ولهذا سارع أهل النهروان لملئه باختيار عبد الله الراسبي إماماً للمسلمين، ليصبح خامس خلفاء الدولة الإسلامية، وإذا علمنا بأن الحكم الإسلامي في أصله شورياً، فلا بد أن يكون الاختيار شورياً أيضاً، لأنه لا يمكن أن يكون الحكم شورياً ويكون الخليفة مفروضاً على الأمة، وكما هو معلوم فإن اختيار الخلفاء الراشدين الأربعة كان عن مشورة، فقد تولى كل منهم مقاليد الخلافة بناء على اختيار أو قبول أهل الحل والعقد من الصحابة في عاصمة الخلافة، ثم مبايعة أهلها له بعد هذا، ومتابعة المسلمين في سائر أنحاء الدولة لأهل المدينة في ذلك
بن وهب
والسؤال الآن هل تولى عبد الله بن وهب مقاليد الخلافة بهده الطريقة حتى يكون إماماً لكل المسلمين كالخلفاء الراشدين؟ وأين هم أهل الحل والعقد الذين اختاروه من غير رؤساء أهل النهروان، فإن وجدوا، فهل بايعه سائر الناس من أهل العراق في الكوفة والبصرة؟ وإذا بايعوه هل بارك أهل خراسان وأهل الحجاز وأهل مصر مبايعة أهل العراق؟ ثم لو كان إماماً شرعياً فلماذا يترك رعيته من أهل العراق تحت تأثير الخليفة السابق علي بن أبي طالب، ويخرج هو ومن معه معتزلاً شؤون الحكم إلى النهروان؟ هذه أسئلة لم أجد الإجابة عليها فيما اطلعت عليه من مؤلفات للاباضية، إذن ليس عبد الله بن وهب الراسبي سوى رئيساً لأهل النهروان مثلما كان معاوية رئيساً لأهل الشام، لأن بيعته لم تكن بالطريقة التي تولى فيها الخلفاء الراشدون الخلافة، ولم تكن عن مشورة بين المسلمين، وليس للأمة فيه اختيار ولا إرادة، وقد قال سيدنا عمر بن الخطاب: من بايع رجلاً بغير مشورة المسلمين فلا يُبايع هو ولا الذي بايعه) (53)
97
96