الإباضية مذهب لا دين
الجزء ١ · صفحة ٥٢وقال الإمام أحمد: (ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين، وقد كان الناس قد اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة بأي وجهة كان الرضا، فقد شق هذا الخارج عصا الجماعة: وخالف الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية) (54)
وما دام ذلك كذلك فإنه يلزم من القول بعدم إمامة سيدنا علي لقبوله التحكيم، أن تكون الأمة قد أصبحت بدون إمام شرعي وبقيت على ذلك إلى أن قامت الدولة الأموية رسمياً بعد مقتل سيدنا علي سنة أربعين للهجرة، وهذا أمر مخالف لما أجمع عليه الصحابة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم حيث لم يرضو أن يبيت المسلمون ليلة بعد النبي (صلى الله عليه وسلم بدون خليفة لهم. ومخالفة الاجماع أمر باطل، وما يؤدي إلى الباطل فهو باطل وعليه فإن سيدنا علي يكون هو الإمام الشرعي لجماعة المسلمين لاجتماع أكثر الناس عليه وإقرارهم له بالخلافة، وتعاملهم معه على هذا الأساس إلى أن قتل، ولعدم وجود ما ينقض إمامته، أما قبوله محو اسم الإمارة عنه في وثيقة التحكيم فقد كان بتأويل منه، قياساً على ما حصل في صلح الحديبية
وليس لأهل النهروان ومن قال بقولهم أن يحتجوا بنتيجة التحكم على عدم إمامة سيدنا علي، لأنهم لا يقولون بشرعية هذا التحكيم أصلاً، ولأنهم إذا قالوا بذلك فإنه يلزمهم أن يسلموا بالنتيجة الأخرى للتحكيم وهي إمامة معاوية بن أبي سفيان، وإلا كان حالهم كحال من يأخذ ببعض الدليل ويترك بعضه الأخر.
هذا وإن إصرار أهل النهروان ومن قال بقولهم على خلع سيدنا علي من الإمامة وإبطالها عنه بمجرد قبوله التحكيم، وقبل صدور نتيجته، ومسارعتهم إلى مبايعة رجل منهم، إن دل على شيء فإنما يدل على حرصهم على أن يغتنموها فرصة للتخلص من إمامة قريش ونقل الخلافة إليهم. يقول الإمام محمد أبو زهرة في معرض حديثه عن صفات الخوارج من أهل النهروان: (ونحن إن وصفنا الخوارج بالإخلاص في خروجهم، فليس معنى ذلك أنه إخلاص لا يوجد ما يشوبه، بل إنه قد يوجد ما يرنقه، ولا ننكر أن هنالك أموراً أخرى غير اعتقاد الحق قد حفزتهم على الخروج، ومن أعظم هذه الأمور التي حفزتهم على الخروج غير الحق الذي اعتقدوه، أنهم كانوا يحسدون قريشاً على استيلائهم على الخلافة واستبدادهم بها دون الناس، الدليل على ذلك أن أكثرهم من القبائل الربعية التي قامت بينها وبين القبائل المضرية الأحَنُ الجاهلية التي خفف الإسلام من حدتها، ولم يذهب بكل قسوتها، بل بقيت منها أثاره غير قليلة مستمكنة في النفوس. وإن الإنسان قد يسيطر
على نفسه هوى يدفعه إلى فكرة معينة يخيل إليه أن الإخلاص رائده، والعقل وحده
يهديه، وهذا أمر واضح في أمور الحياة كلها، فالإنسان ينفر من كل فكرة اقترنت بما يؤلمه. وإذا كان كذلك فلا بد أن نتصور أن الخوارج وأكثرهم ربعيون رأوا الخلفاء من "مصر" فنفروا من حكمهم واتجهوا في تفكيرهم نحو الخلافة تحت ظل هذا النفور من حيث لا يشعرون
وظنوا أن ما يقولونه هو محض الدين، وأنه لا دافع لهم إلا الإخلاص لدينهم. والخوارج على هذا أكثرهم من العرب، ولم يكن فيهم من الموالي إلا عدد قليل، مع أن آراءهم في الخلافة من شأنها أن تجعل للموالي الحق في أن يكونوا خلفاء عندما تتوافر شروطها، إذ الخوارج لا يقصرون الخلافة على بيت من بيوت العرب، ولا على قبيل من قبيلهم، بل لا يقصرونها على جنس من الأجناس، أو فريق من الناس، والسبب في نفور الموالي من مذهبهم أنهم هم أنفسهم مع هذه الآراء ينفرون من الموالي، ويتعصبون ضدهم ....... وربما لو تركوا تلك العصبية لتبعهم كثيرون من الموالي) (55).
ويقول الدكتور عوض خليفات: اتخذ الخوارج الأوائل من قبول علي للتحكيم مبرراً للقضاء على التقليد المتعارف عليه في انتخاب الخليفة فقد جرت العادة أن يقوم أهل الحل والعقد من المسلمين في المدينة بانتخاب الخليفة ثم تبايعه الأمصار، ولكن زعماء الخوارج رأوا أن يحققوا حلمهم في التخلص من زعامة قريش، وأعلنوا أن الخلافة يجب أن لا تكن وقفاً على جماعة معينة، وظهر ذلك في قولهم بعد انفصالهم في حروراء:" الأمر شورى بعد الفتح، والبيعة لله عز وجل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" ...... لا شك أن مبدأ الشورى قد أكده الإسلام وحض على اتباعه في كتابه الكريم، ورغم ذلك فمن المعتقد أن مناداة الخوارج بهذا المبدأ في تلك المرحلة لم يكن إلا مبرراً دينياً تبنوه للثورة على الخليفة الشرعي، وبالتالي كان مبررا للثورة على سلطة قريش وزعامة المسلمين الأوائل المتمثلة بالمهاجرين والأنصار، والدليل على ذلك أنهم لم يتقيدوا بهذا المبدأ عندما نجحوا في تأسيس دولة خاصة بهم، دولة الرستميين الاباضية، ودولة بني مدرار الصفرية مثلاً) (56). المسألة الثانية: وجود عدد من الصحابة في صفوف أهل النهروان من المسائل تركز عليها المصادر الإباضية كثيراً وجود خلق كثير من كبار الصحابة وأفاضلهم بين أهل النهروان، معارضين للتحكيم ومشاركين في الإنفصال عن الإمام علي فقد جاء في كتاب السير للشماخي: " فلما نزل علي بالكوفة دخل عليه نفر ممن أنكر الحكومة فعاتبوه وسألوه نقضها، فأبى فخرجوا ونزلوا حروراء باثني عشر ألفاً، وقيل: عشرون ألف، وقيل: أربعة وعشرون، وهم خيار أهل الأرض يومئذ وقراؤهم وزهادهم ممن بقي من كبراء الصحابة والتابعين، وفيهم من أهل بدر ومن شهد له رسول الله (صلى الله عليه
99
98