الإباضية مذهب لا دين
الجزء ١ · صفحة ٥٥1 - إن استعمال أهل النهروان لفظ الكفر في وقت مبكر من معارضتهم للتحكيم، وهو فترة المسير من صفين إلى الكوفة، يعني أن هذا الاستعمال ليس طارئاً ولا جديداً على الساحة الإسلامية، إذ لو كان كذلك لاحتاج لتبلوره إلى مدة أطول بكثير، ولذا جرت نسبة إطلاق لفظ "الكفر" إلى مؤيدي التحكيم أيضاً، فمثلاً هذا الأشعث بن قيس من أكبر مؤيدي الإمام علي يقول له كاد أن التحكم: (نقضت عهدك وكفرت بربك) وقوله له: «إن الناس قد تحدثوا أنك رأيت الحكومة ضلالاً والإقامة عليها كفراً»
حين
يرجع عن
2 - إن الحكم على شخص بالكفر لا يقتضي في جميع أحواله إخراجه من الملة الإسلامية، وحادثة افتراق الخوارج سنة (64 هـ) إلى عدة فرق شاهد على ذلك، ففرقة الأزارقة شذت من بين فرق الخوارج، فحكمت على المخالفين بالشرك، أي بالخروج من الإسلام، وهذا يعني أن الخوارج قبل ذلك التاريخ لا يحكمون على مخالفيهم بالكفر المخرج من الملة، ولهذا كانوا يقولون عنهم: كفرة لا مشركون. 3 - إن المتتبع لتاريخ مصطلح الكفر يجد أنه استعمل في كثير من النصوص الشرعية كرديف للمعصية أو ارتكاب الكبيرة من الذنوب، واستعمال أهل النهروان للفظ الكفر كان من هذا القبيل، والكفر بهذا المعنى هو ما يعبر عنه بكفر النعمة، أو ما يسميه بعض العلماء كفراً دون كفر، وما يسميه آخرون بالكفر العملي أو الكفر الأصغر، وخفاء هذا المعنى عن المخالفين لأهل النهروان دفعهم إلى التشنيع عليهم لاستخدامهم ذلك اللفظ بهذا المعنى، فنسبوا إليهم أنهم حكموا على الإمام علي وأصحابه بالشرك هذا وبعد أن فرغ الأستاذ ناصر السابعي من تقرير هذه الأمور، تساءل هل جرى ا الكفر على ألسنة أهل النهروان حقاً؟ وهل صدقاً طلبوا من الإمام علي أن يشهد على نفسه بالكفر؟.
لفظ
وهو تساؤل قصد به الإنكار لا الاستفهام، بدليل أنه أخذ يشكك في كل الروايات التي طلب فيها أهل النهروان من الإمام علي الاعتراف والإقرار بالكفر، معتمداً على روايات أخرى جرى فيها استخدام لفظ "الضلال" أو "الخطيئة" أو "الذنب" بدل لفظ "الكفر" لينتهي بعد ذلك إلى القول: (وهذه الروايات والملاحظات تقدح في كون المحكمة كانوا يطلقون لفظ الكفر على مخالفيهم بغض النظر عن مدى صحة الإطلاق. ويبدو أنه بعد فترة من الزمن استحالت بعض الألفاظ ألفاظاً أخرى عبرت عن تصور الراوي لنظرة منكري
التحكيم من جراء الشائع في الوسط يومئذ، ولهذا فإن الرواية التي تنسب إليهم أنهم شهدوا على علي بالشرك محمولة على هذا التصور، والرواية التي تثبت التكفير والتشريك إليهم عند مخاطبتهم لابن عباس كفرت" وأشركت" محمولة على هذه الفكرة السابقة لحين أداء
الرواية:
أولاً: لأن الذين يخاطبون ابن عباس بهذا الكلام تصفهم الرواية نفسها بالقدرة على الأدلة انتزاع من القرآن والتأثير على المخاطب، كما تصف متكلمهم بأنه قارئ للقرآن عالم بما فصل ووصل.
ثانياً: لأنهم في هذه الرواية السن الأول أصحاب محمد" أي الأقدمون من أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم).
ثالثاً: لأن التشريك ابتدأ بنافع بن الأزرق عام الافتراق) (69).
وهنا أتساءل هل وصل استخفاف الأستاذ ناصر بالقارئ لكتابه إلى هذا الحد؟ فما دام أن تعصبه لمذهبه قد أوصله إلى هذه النتيجة التي قالها، فلماذا لم يبدأ بمناقشة الروايات مباشرة دون أن يبدأ بالأمور التي قررها؟ وعندها قد ينطلي الأمر على القارئ وتمر الأمور بسلام. أما أن يبرر استعمال أهل النهروان للفظ الكفر بالمعنى الذي يريده بأنه استعمال مقبول شرعاً، وأنه استعمال شائع في ذلك الوقت، ثم يأتي لينكر استعمالهم لهذا اللفظ، فأنا اعتبر ذلك استخفافاً منه بالقارئ وبمقدرته على التمييز والفهم.
قد كان الأجدر به أن يستعمل الصفات التي ذكرها في كلامه السابق عن أهل النهروان وأن يستعمل الروايات المضادة المشتملة على لفظ "الخطيئة" أو "الضلال" في تأويل وتفسير الروايات التي اشتملت على لفظ "الكفر" وليس في ردها والقدح فيمن رواها. النقطة الثانية: مفهوم الولاية والبراءة والكفر عند الإباضية: من الأمور التي تنسب إلى الإباضية أنهم يقدحون في أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم وينالون من كرامتهم، وحتى تتضح لنا حقيقة موقف الإباضية من الصحابة وكما جاءت في مصادرهم نرى من الضروري بيان معنى بعض المصطلحات التي يستعملها الإباضية في التعبير عن موقفهم من الصحابة، وهذه المصطلحات هي: الولاية والبراءة،
والكفر.
1.0
104