الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٥٧

الفتن فمن علم منه البقاء على السيرة التي كان عليها رسول الله (صلى الله عليه والسلم) فهو عدل مطلقاً، وهي الجماعة التي قامت على عثمان، ونصبت علياً وفارقته يوم التحكيم طلبا لإقامة كتاب الله تعالى. ومن لم يعلم منه البقاء على تلك السيرة، فلا يسارع إلى تعديله حتى يمتحن ويختبر لكثرة المفتتنين، واختلاط الموفين بغيرهم) (74).

ويقول أبو يعقوب الورجلاني في كتابه العدل والأنصاف: (والصحيح أن الصحابة كلهم بالحالة الأولى التي ذكرناه إلا من ظهر منه ما يخرج به، وقد صدرت منهم أمور من سفك الدماء، ونيل الأعراض واستباحة الحرم مالا يخفى على ذي عقل متواتر تواتراً يحصل به العلم الضروري، ولابد أن يجعل للتعديل والتجريح مكاناً وإن كانوا صحابة) (75). ويستدل الورجلاني على صحة مذهبه بأمرين (76) الأول: أن مخالفيهم من أصحاب الحديث والمرجئة والحشوية وسائر السنية = كما وصفهم = قد أخذوا بعموم الأدلة الدالة على عدالة الصحابة دون أن يؤولوا أو يعرجوا على أدلة عامة مثلها تناقضها، ولا على أدلة تخصها، فشهدوا لهم بالعدالة مطلقاً الثاني: أن الإباضية = وقد رمز لهم بالمسلمين الذين هم على هداهم وعلى ما رزقهم الله من التوفيق = يرون أن عموم الأدلة الدالة على عدالة الصحابة قد ورد ما يخصها أو يصلح لتخصيصها، ثم أخذ بسرد الأدلة التي يرى أنها مخصصة وهي:

- قوله تعالى: فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً) (77)

وقوله تعالى: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم

الفاسقون) (78).

- وقوله تعالى: (وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) (79). - وقوله تعالى: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) (80).

- وقوله تعالى: فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) (81).

- وقوله (صلى الله عليه وسلم: (إنّ) كذباً عليّ، ليس ككذب على أحد فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعدة من النار) (83).

وقوله عليه السلام: الفتنة بعضكم على أمتي أضر عليها من فتنة الدجال) (83). - وقوله علية السلام: وليذادن رجال عن حوضي كما يذاذ البعير الضال فأناديهم ألا هلم ألا هلم فيقال: إنك لم تدر ما أحدثوا بعدك، فأقول سحقاً فسحقاً فيؤخذ بهم ذات الشمال) (84).

وقوله عليه السلام لعمار: (إنما تقتلك الفئة الباغية) (85).

وتطبيقاً لما انتهى إليه الإباضية بشأن عدالة الصحابة نجدهم يدينون بما يلي (86): - البراءة من عثمان بن عفان بما انتقدوه عليه من الأمور التي تقدم ذكرها سابقاً. و البراءة من طلحة عبيد الله والزبير بن العوام ببغيهما على المسلمين وطلبهما بدم عثمان.

بن

والبراءة من علي بن أبي طالب بتحكيمه الحكمين، وقتله المسلمين على إنكار

ذلك

والبراءة من معاوية بن أبي سفيان بطلبه بدم عثمان، واغتصابه الإمامة، ومحاربته المسلمين وبغيه عليهم.

- والبراءة من عمرو بن العاص بدخوله في الحكومة، والحكم لمعاوية بالإمامة والطلب بدم عثمان، ومحاربته المسلمين والبغي عليهم. والبراءة من أبي موسى الأشعري بدخوله في الحكومة.

والبراءة من الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب بتسليمهما الإمامة لمعاوية بن أبي سفيان.

- ثم البراءة من كل من أعان هؤلاء الصحابة على جورهم، أو دان بطاعتهم، أو حرم قتالهم بعد الدعوى إلى العدل، إلا من تاب منهم كأم المؤمنين عائشة رضي الله، فقد ذكر الشماخي أن جابر بن زيد وأبو بلال مردارس = رئيس من بقي من الخوارج بعد عبد الله بن وهب قد استتابا عائشة عمّا كان منها في وقعت الجمل

عنها)

فاستغفرت وتابت (87)

الله

- وأما الصحابة الذين اعتزلوا الفتنة ولم يشاركوا فيها، ولم يقاتلوا الفئة الباغية، كعبد بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة، فيسميهم الإباضية، بالشاكين، وهؤلاء لا ولاية لهم عند الإباضية، لكنهم اختلفوا في البراءة منهم، فمنهم من توقف فيهم، لأن الله تعالى أعلم بما كان تركهم لها، ومنهم من تبرأ منهم لأنهم شكوا في قتال الفئة الباغية وفي قتال الجبابرة.

109

108