الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٥٨

هذا وبعض القدامى من علماء الإباضية لم يقفوا عند حد البراءة من هؤلاء الصحابة المتقدم ذكرهم، وإنما تجاوزوا ذلك إلى التشنيع عليهم بأقذع الأوصاف، ورميهم بالكفر، والحكم على بعضهم بالخلود بالنار، ويأتي في طليعة هؤلاء الصحابة المشنع عليهم: عثمان عفان، وطلحة والزبير، وعلي، ومعاوية فبخصوص سيدنا عثمان بن عفان، فقد تقدم ذكر الأوصاف التي أطلقوها عليه، وتجنباً للتكرار أقتصر هنا على ذكر عباراتهم المتضمنة تكفير سيدنا عثمان:

بن

)

-1 جاء في رسالة عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان: (وكل ما عددت عليك من عمل عثمان يكفر الرجل أن يعمل ببعض هذا، وكان من عمل عثمان أنه كان يحكم بغير ما أنزل الله، وخالف سنة نبي الله والخليفتين من بعده). (88)

2 وجاء في رسالة خالد بن قحطان، إحدى السير التي اشتمل عليها كتاب " السير والجوابات": (فلما امتنع من التوبة، وأصر من عطية الحق وظهر كفره في الدار والدعوة، ولم يرتب أحد من المسلمين في قتاله، فقاتلوه، فظفرهم الله به، فهزموا أصحابه فقتلوه خليعاً من الإيمان خارجاً منه بحكم القرآن، لأن المسلمين إنما قتلوه بحكم كتاب الله، لأن الله يقول: فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون (89)) (90).

3 - وجاء في سيرة أخرى من كتاب السير والجوابات: (ثم أحدث في الست الأواخر أحداثاً كفر بها من تعطيل الحدود، وإدالة المال، واستعمال السفهاء) (91). 4 - وجاء في الدليل والبرهان للورجلاني: ( ...... فطلبوه أن ينخلع فأبى وامتنع ..... لا يعيذ الإسلام باغياً، ولا الإمامة خائناً، ولا الشهر الحرام فاسقاً، ولا الصحبة مرتداً على عقبه) (92)

أما بخصوص سيدنا علي فقد جاء في إحدى السير من كتاب "السير والجوابات": فهذا دليل على كفر على وضلاله وصواب أهل النهروان وعدلهم، ثم إن علياً خلعه الحكمان فلم يرض حكمها، وفرق الله أمره، فقتله عبد الرحمن بن ملجم غضباً لله وكان ذلك منه حلالاً، لقتله الذين يأمرون بالقسط من الناس، فرحم الله عبد الرحمن) (93).

وأما بخصوص طلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص، فقد جاء في كتب الدليل، والبرهان للورجلاني: ( ....... ثم قاتل (أي علي طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين، فقتاله

حق عند الله تعالى لشقهم العصا، عصا الأمة ونكثهم الصفقة، فسفكوا الدماء، وأظهروا الفساد فحل لعلي قتالهم، وحرم الله عليهم الجنة، فكانت عاقبتهم إلى النار البوار، إلا ما كان من أم المؤمنين التائبة. فمن تاب تاب الله عليه ..... وأما معاوية ووزيره عمرو بن العاص فهما على ضلالة لانتحالهما ما ليس لهما بحال، ومن حارب المهاجرين والأنصار فرقت بينهما الدار، وصار من أهل النار) (94).

.......

والإباضية يرون أنهم على حق فيما يدينون به، وأن غيرهم ممن خالفهم ممن يتولى أولئك الصحابة ويثني عليهم على خطأ وضلال، فقد جاء في السير العمانية: (فإن قال قائل من … قلنا له: زعمنا ذلك، وقلنا وأنكرنا أن أين قلتم أنكم أولى بالحق من غيركم يكون الحق في غيرنا دوننا، أن وجدنا الله تبارك وتعالى قد فرق بين أهل الصلاح وأهل الفساد في كتابه في مواضع شتى، من ذلك قوله تعالى: " أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض، أم نجعل المتقين كالفجار (95)، في غير موضع من كتاب الله التفرقة بينهم، ثم وجدنا من خالفنا يجمع بين أهل الصلاح وأهل الفساد، ويجمع بين القاتل والمقتول، وبين الظالم والمظلوم، فيتولونهم ويستغفرون لهم، فعلمنا خطأهم من كتاب الله تبارك وتعالى. وضلالهم وخروجهم من الحق وزيعهم عن سبيل المسلمين إلا من دان بما ذكرنا من جمع الجميع من أهل الصلاح وأهل الفساد بمنزلة واحدة بعد أن فرق الله جل وعلا بينهم في المنازل، كان مخطئاً متعدياً آثماً فيما دان الله به في ذلك معلوماً خطوه بما قدمنا ذكره في الكتاب، فهذا أوضح السبل وأبين الأدلة وأقوى حجة على من خالفنا. وأيضاً وجدنا أئمة المسلمين الذين هم الحجة لرب العالمين = يقصد أئمة الإباضية على المستعدين قد أجمعوا على البراءة من هؤلاء الذين ذكرناهم وإجماعهم حجة لنا، وعلينا التسليم لهم، والاتباع فيما دانوا به إذ كانوا هم الحجة البالغة لأن النبي (صلى الله عليه وسلم قال: "أمتي لا تجتمع على خطأ"، معنى قوله: أمتي هم الذين اتبعوه وسلكوا سبيله ولم يخالفوه، وليس أمته كل من صلى وصام وأمر بالإسلام) (96). ويرى الإباضية أيضاً أنه ليس في موقفهم من أولئك الصحابة ما يعيبهم أو يقتضي التشهير بهم، لأنهم إذ يعلنون البراءة منهم، إنما يعملون بفرض من فرائض الشرع وواجب من واجباته، ولهذا أنكر المعاصرون منهم ما يسمونه بالدعاية التي يسلطها المغرضون عليهم، والإشاعات التي يطلقونها عنهم في أنهم يكرهون الصحابة أو بعضهم، وفي أنهم يكفرون بعضهم الآخر (97).

111

110