الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٥٩

يقول الأستاذ ناصر المسقري في كتابه الإباضية في ميدان الحق: (لقد كثر التشنيع على الإباضية في قضية الصحابة ممن يقتفون نهج المفسدين وممن ضلوا بضلالهم، فمنهم القائل: يكفرون الصحابة إلى غير ذلك. ويتخذون من فتنة الصحابة ذريعة للتشنيع، ونشروا هذه الإشاعات في المحاضرات والكتب التي ألفوها، والتي تبع فيها الآخر ما قاله الأول في هذه القضية، وفي كثير من القضايا من غير بحث عن الحقيقة أو تحر لها) (98). ويقول الأستاذ عدون جعلان في كتابه "الفكر السياسي عند الإباضية": (أما عن التهم التي توجه إلى الإباضية لأنهم يقدحون في أصحاب رسول الله (صلى الله عليه والسلم وينالون من كرامتهم، فإنها لا تخلو من الغلو والمبالغة، ذلك أن الإباضية ليسوا وحدهم في هذا المجال، ولم يكونوا الوحيدين من الذين كتبوا عن الصحابة وأحداث الفتن، فقد شاركهم في ذلك الكثير من الكتاب والمؤرخين، وقد اتسم موقف الإباضية بتحري الحقيقة، ولم يزيدوا على أن بينوا ما حدث، سواء في عهد عثمان أو علي (رضي الله عنهما) بكل إنصاف). (99)

والآن وبعد أن بينا موقف الإباضية من الصحابة رضوان الله عليهم، وكما جاء في كتبهم قديماً وحديثاً، فإننا وقبل أن نتوجه بنداء إلى العلماء الأفاضل من الإباضية، وإلى النخبة من طلبة العلم منهم نذكر بعض الأمور التي تقتضيها أمانة البحث العلمي، ليتمكن القارئ الكريم من أن يكون لنفسه رأياً أو يتفق مع رأي آخر في هذه القضية، طبقاً لقناعاته ووفقاً للمقاييس العلمية التي يضعها لنفسه في محاولته الوصول إلى الحقيقة.

6

الأمر الأول: إن ما صدر عن الصحابة الذين هم في حكم البراءة هي ذنوب لا يخرج بها المرء من دائرة الإسلام إلى دائرة الشرك، وبالتالي فهي لا تنفي صفة الإيمان عنهم، بدليل أن الله سبحانه وتعالى قد وصف الطائفتين المتقاتلتين بالإيمان، سواء الباغية أو المبغي عليها، حيث قال وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى قاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، وقال: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا

هم

بين أخويكم). ولو سلمنا بأن عثمان (رضي اله عنه) ومن معه الطائفة الباغية لعدم استجابتهم لمطلب الخارجين عليه من أهل الكوفة والبصرة ومصر، وبأن طلحة والزبير ومن معهما هم الطائفة الباغية لقتالهم علي ومطالبتهم بدم عثمان، وبأن علي ومن معه هم الطائفة الباغية في صراعهم مع أهل النهروان، فإن بغيهم هذا لا ينفي عنهم = وبحكم القرآن= صفة الإيمان. وإذا علمنا أن مقصود الإباضية بالبراءة = كما بينا سابقاً= هو البغض بالقلب

والشتم باللسان والردع بالجوارح، فإين هم في براءتهم من الطوائف الثلاث السابقة من قوله تعالى في سورة الحشر في بيان صفة من يأتي بعد المهاجرين والأنصار: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم) (100). وأين هم من قوله تعالى في سورة الفتح في بيان صفة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) ومن معه من المؤمنين: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) (101). ومن الرحمة فيما بينهم أن يدعو بعضهم لبعض، ويطلب له الرحمة والمغفرة، ويتجاوز عما أساء له به، ولهذا لم يتبرأ السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار من سيدنا عثمان، ولم يتبرأ علي بن أبي طالب من عائشة أم المؤمنين ولا من طلحة والزبير، ولا من أبي موسى الأشعري.

وأين هم مما وعد الله به أصحاب سيدنا محمد (صلى الله عليه والسلم من المغفرة والأجر العظيم حيث قال عز وجل في ختام سورة الفتح: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً) (102).

وعثمان وعلي وطلحة والزبير وأبو موسى هم من المؤمنين، وجهادهم مع النبي (صلى الله عليه والسلم وحبهم له، وتضحياتهم في سبيل الدعوة هي أعمال صالحة لم يحبطها شرك ولا رياء ولا نفاق، فيكونون داخلين في عموم الآية، ومن وعدهم الله بالمغفرة والأجر العظيم لا يجوز لكائن من كان أن يتطاول أو يشنع عليهم لأمور حصلت بينهم. الأمر الثاني: إن مفهوم التخصيص عند علماء الأصول من الإباضية وغيرهم هو: قصر اللفظ العام على بعض ما يتناوله من أفراد بدليل، وهو إحدى الوسائل التي يلجأ إليها العلماء لدفع ما يتوهم من تعارض بين النص العام والنص المخصص له، بمعنى أن التخصيص لا يكون إلا إذا أثبت الدليل المخصص حكماً لبعض أفراد اللفظ العام مغايراً لحكم النص العام.

يقول العلامة السالمي في كتابه " شرح طلعة الشمس": (التخصيص هو: إخراج بعض ما يتناوله لفظ العموم بدليل مخرج له عن دخوله تحت تناوله) (103) ويقول في موضع آخر: (والتخصيص متفرع على التنافي) (104). والآن إذا انتقلنا إلى ما يذكره الورجلاني في كتابه "العدل والأنصاف في معرفة أصول الفقه " من أن عموم الأدلة الدالة على عدالة الصحابة قد ورد ما يخصصها أو يصلح

113

112