الإباضية مذهب لا دين
الجزء ١ · صفحة ٦٠لتخصيصها، واستعرضنا تلك الأدلة التي زعم أنها مخصصة، فإننا لا نجد ثمة تعارض بينها وبين الأدلة التي جاءت في فضائل الصحابة من القرآن والسنة، لأن تلك الأدلة ليس موضوعها عدالة الصحابة، وإنما تتناول موضوعات مختلفة، وبعضها في هذا التناول يصدق على الصحابة وغيرهم. ثم لو سلمنا بأنها أدلة مخصصة، فهي مطلقة عن التقييد بزمن الفتنة، وتقييدها بذلك تحكم منهم بالنص القرآني، وهو لا يجوز وبالتالي يلزم من القول بأنها أدلة مخصصة أن يقول الإباضية بأن الصحابة فيما يتعلق بالعدالة، كغيرهم، قبل الفتنة وبعدها، بل وينسحب هذا القول على الصحابة حتى في عهد النبي (صلى الله عليه والسلم) لدخولهم في عموم الخطاب في كثير من تلك الأدلة دخولاً أولياً، وهذا القول عند الإباضية باطل، وإذا بطل هذا القول بطل بالضرورة ما يؤدي إليه، لأن ما يؤدي إلى الباطل فهو باطل.
الأمر الثالث: إن بعض المعاصرين من الإباضية قد حمل عبارات الكفر التي أطلقت في حق بعض الصحابة على كفر النعمة لا كفر الشرك، يقول الأستاذ سالم الحارثي: (أما ما روي أنهم يكفرون علياً أو يطلبون منه الاعتراف بالكفر، فهذا الكفر إن صح كفر النعمة لا كفر الشرك، وهو ثابت بالكتاب والسنة) (105).
ويقول الأستاذ ناصر المسقري: (إن الإباضية لم يكفروا علي بن أبي طالب ولا أحداً من المسلمين ما دام متأولاً، ولكن يسمون العاصي كافر نعمة، بمعنى أنه لم يستخدم هذه النعم في طاعة الله، وربما استوهم البعض من ذلك. (106).
وأرى أن هذا الدفاع من المعاصرين تأباه الأدلة التي استدل بها علماؤهم السابقون على ما نسبوه إلى الصحابة، وتأباه عباراتهم الصريحة الواضحة، والتي لا تحتمل التأويل، وفيما يلي بيان ذلك:- أولاً:
استدل عبد الله بن إباض على ما نسبه إلى عثمان من كفر بمجموعة من الآيات القرآنية حيث قال: وكان من عمل عثمان أنه كان يحكم بغير ما أنزل الله وخالف سنة نبي الله والخليفتين الصالحين أبي بكر وعمر، وقد قال الله: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً) (107). وقال: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) (108)، وقال: (ألا لعنة الله على الظالمين) (109)، (ومن يلعن الله فلن تجدله نصيراً) (110)، وقال: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون) (111)، وقال: (ومن لم يحكم بما أنزل اله فأولئك هم
الفاسقون) (112)، والكافرون) (113)، وقال: (وكذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون) (114)، كل هذه الآيات تشهد على عثمان وإنما شهدنا عليه بما شهدت عليه هذه الآيات) (115). إذن عبد الله بن إباض اعتبر أن الآيات التي ساقها قد جاءت لتشهد على عثمان، ومما شهدت به هذه الآيات: - اتباع غير سبيل المؤمنين، ودخول جهنم وساءت مصيراً. - استحقاق اللعن والطرد من رحمة الله - عدم استحقاق النصرة والولاية من الله. الركون إلى الذين ظلموا، واستحقاق النار بذلك - الحكم بغير ما أنزل الله ظلماً وفسقاً وكفراً.
ولا أدري هل إن من شهدت عليه الآيات بكل هذا، يكون مؤمناً أم كافراً؟ فإن قلنا أنه مؤمن فاسق، فما هي فائدة وصفه بالإيمان إذن، ما دام أنه يستوى هو والمشرك في الحكم والمصير في الحياة الآخرة. ثانياً: استدل خالد بن قحطان في سيرته على خروج عثمان من الإيمان وخلعه عنه بقوله تعالى: (فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون) (116).
ولا أدري هل إن من يخرج من الإيمان أو يخلع الإيمان عنه يوصف بأنه مؤمن فاسق، أم كافر مشرك؟ ثم إن أئمة الكفر الذين أمرت الآية بقتالهم هل هم المؤمنون الفاسقون أم المشركون الكافرون؟
ثالثاً: استعمل أبو يعقوب الورجلاني عبارات واضحة لا تحتمل التأويل في الحكم على طلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص من مثل: " وحرم الله عليهم الجنة، فكانت عاقبتهم إلى النار البوار"، ومثل: فرقت بينهما الدار، وصارا من أهل النار.
إن هذه العبارات لم تنقلها كتب السنية عن الورجلاني، حتى نقول بأنهم غيروا وبدلوا للتشويه عليه، وإنما هي من كتابه "الدليل والبرهان" والذي يوصف بأنه أحد كتب التراث المعبرة عن أصول ومبادئ المذهب.
وإنني أعجب كيف وصلت الجرأة بالورجلاني، وهو أحد العلماء الذين لهم مكانتهم على أن ينطق بمثل هذه العبارات، هل أوحي إليه بأن الله حرم الجنة على طلحة والزبير،
115
114