الإباضية مذهب لا دين
الجزء ١ · صفحة ٦1
1
وكل مذهب من تلك المذاهب تدرج في مدارج النمو والإزدهار حتى بلغ الذروة، ثم جنح إلى التوقف بقصور همم أتباعه من العلماء وبشيوع التقليد بينهم، حتى وصل الحال بأتباع بعض تلك المذاهب إلى الإفتاء بسد باب الاجتهاد، وإلى دعوة الناس إلى التقيد بالمذاهب وعدم التحول عنها، وكأن الشريعة الإسلامية محصورة بمذهب معين، لا تُعرف أحكامها إلا من خلال ذلك المذهب
وفي العصر الحديث بدأت تلوح في الأفق تباشير نهضة فقهية بفعل عوامل مختلفة منها: إدراك المحدثين من علماء الشريعة أن شريعة الإسلام لا يمكن حصرها بمذهب معين، فهي أوسع من هذا الحصر، وهي حجة على كل مذهب، وليس أي مذهب بحجة عليها مهما ادعى أتباعه أنهم على الحق والاستقامة، إذ ليس المذهب إلا وجها من وجوه تفسير نصوص الشريعة وفهم أحكامها. ومن مظاهر هذه النهضة المعاصرة قيام معاهد العلوم الإسلامية وكليات الشريعة في الجامعات بتدريس الفقه الإسلامي دراسة مقارنة بين مذاهبه المختلفة، وتوجه الدارسين والباحثين في هذه المعاهد إلى الفقه المقارن في دراساتهم وبحوثهم ورسائلهم العلمية، وقد كنت أحد هؤلاء، ولله الفضل والمنة.
بين
وأخيراً تهيأت لي فرصة التدريس في أحد المعاهد العلمية بسلطنة عُمان حيث المذهب الرسمي للدولة هو المذهب الإباضي، والنسبة الأكبر من سكانها يتبعون هذا المذهب، وأما بقيتهم فيتبعون المذهب الجعفري أو أحد المذاهب السنية الأربعة المشهورة. وقد اتبعت في تدريسي لمواد الفقه في ذلك المعهد الأسلوب المقارن بين المذاهب رغم مطالبة بعض الطلبة وبأسلوب (مهذب الاقتصار على المذهب الإباضي باعتباره المذهب الرسمي للدولة، وبدراستي لهذا المذهب سواء من خلال التدريس أو إعداد البحوث وجدت أن بينه وبين غيره من فقه المذاهب الأخرى خلافاً في عدد من المسائل، وهو كالخلاف الفقه الشيعي وبين غيره، وكالخلاف بين فقه المذاهب السنية بعضها مع بعض، وهو خلاف يرجع في جملته إلى الاختلاف في فهم النصوص الشرعية وإلى العمل ببعضها دون بعضها الآخر. هذا وإن الناظر في المجتمع العماني يجد أفراده من الإباضية يتصرفون تصرف المسلم الطبيعي لا يشز شيء من سلوكه الديني أو المدني، ويجد أن وضعهم بالنسبة إلى إخوتهم. من المذاهب الأخرى وضع طبيعي، فهم يعشيون معهم في السراء والضراء، مندمجين مختلطين متعاملين في جميع شؤون الحياة، لا يعكر صفو العلاقة بينهم سوى تصرفات أو فتاوى تصدر عن شخص من هنا أو هناك، أو مقالات تطبع أو كتب تنشر، تعيد إلى الأذهان الخلاف بين الفرق والمذاهب، فتضع الإباضية في قفص الاتهام باعتبارهم الفرقة الباقية من الخوارج، وتضع إخوتهم من أتباع المذاهب الأخرى في موقف المدعي العام الذي
يكيل لهم التهم، أو تصف الإباضية بأنهم على الحق والاستقامة وأن مخالفيهم لا تجب موالاتهم، أو تحكم بالبطلان على صلاة مخالفيهم من أتباع المذاهب الفقهية الأخرى ممن يرفعون أيديهم في الصلاة أو يقنتون فيها، أو يأمنون عقب قراءتهم الفاتحة. ولا شك أن تلك التصرفات أو الفتاوى والمقالات لا تزيد المذهبية إلا شدة في التعصب، وقوة في ردة الفعل، بل إنها تجعل كل دعوة للتقارب ونبذ المذهبية مجرد دعاية إعلامية.
وإنه مما يلفت الانتباه أن كثيراً من مؤلفات المعاصرين من الإباضية تركز على جملة أمور
منها:
-1
تقديم المذهب الإباضي على أنه مذهب أهل الحق والاستقامة، وأنه الدين الذي ارتضاه الله تعالى دون سواه من الأديان. الدفاع عن موقف الإباضية تجاه جملة من المسائل، كموقفهم من الصحابة رضوان
الله عليهم، خاصة الخليفتين عثمان وعلي (رضي الله عنهما).
3 - بيان أن الإباضية هم الوحيدون دون سواهم من أتباع المذاهب الأخرى الذين سلموا من التعصب المذهبي وأنهم الذين تعاملوا مع مخالفيهم بكل تسامح.
4 - الدعوة إلى الاعتماد على مؤلفات ومصادر الإباضية عند الكتابة عنهم، وعدم الركون إلى مؤلفات مخالفيهم فيما يكتبونه عنهم.
وهذا التركيز دفعني إلى مزيد من القراءة والبحث في تلك الأمور، فتكونت عندي قناعات معينة، ورأيت أن الأمانة العلمية تقتضي مني أن أضع تلك القناعات وما انتهيت إليه في كتاب أنطلق فيه من اعتقاد راسخ بأن المذهبية لا تزول إلا بالمعرفة والاعتراف والتعارف، ذلك أنه بالمعرفة يفهم كل واحد ما يتمسك به الآخرون ولماذا يتمسكون به، وبالاعتراف يتقبل كل واحد حقيقة أن كل عالم يؤخذ من قوله ويرد عليه، وبالتعارف يعطي كل واحد الآخرين مثل الحق الذي يعطيه لنفسه، اجتهدوا فأصابوا، أو اجتهدوا فأخطئوا. وقد جعلت هذا الكتاب بعد المقدمة في أربعة فصول وخاتمة: الفصل الأول: في التعريف بالمذهب الإباضي.
الفصل الثاني: في المقدمات التاريخية لظهور فرقة الإباضية وموقفهم منها. الفصل الثالث: في بيان نشأة فرقة الإباضية ومدى صلتها بالخوارج.
V