الإباضية مذهب لا دين
الجزء ١ · صفحة ٦١وجعل عاقبتهما إلى النار؟ أم هل عنده حديث بذلك عن النبي (صلى الله عليه والسلم)؟ لا هذا ولا ذاك، وإنما هو التعصب للرأي والمذهب، تعصباً استولى على كل مواضع تفكيره وطرق إدراكه حتى دفعه إلى إدعاء خلاف ما جاءت به الأحاديث الصحيحة من البشارة لطلحة والزبير بالجنة. هذا وإزاء هذا التطرف من بعض قدامى الإباضية في موقفهم من الصحابة الذين عاصروا الفتنة قام بعض المتأخرين من علماء الإباضية يدعون إلى عدم الخوض في فتنة الصحابة، لأن أخبارهم قد بعدت علينا، فالكف عنهم أولى وأسلم وهم من هم، فهم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه والسلم، ولو أنفق أحدنا مثل جبل أحد ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، فالسكوت عنهم أولى (117).
يقول عدون جعلان في كتابه "الفكر السياسي عند الإباضية": (يقرر الإباضية المعاصرون بالإجماع أن البحث في أحداث من سبقنا كفتنة الصحابة مثلاً ليس من ورائه فائدة، ولا أثر محمود ينفع الأمة، بل لا يزيد لها إلا تشتيتاً، وعليه فالخير كل الخير للمسلم الذي يستبرئ لدينه وعرضه، أن لا يفني عمره في التنقيب عن هنات أشخاص أصبحوا في ذمة التاريخ (118)، وقد عدّ من هؤلاء المعاصرين نور الدين السالمي، أبو إسحاق إبراهيم إطفيش، بيوض إبراهيم، أبو اليقظان إبراهيم، عبد الرحمن بكلي، علي
أحمد بن حمد الخليلي. ودعوى إجماع المعاصرين فيها نظر، لأنه وكما تبين لنا مما سبق أنه لا يزال بعض المعاصرين في أعمالهم العلمية يتعرضون لأخبار الفتنة، مدافعين ومؤيدين لما ذهب إليه الأقدمون، وهو ما دفعنا إلى الكتابة في هذا الموضوع، مع أننا من أنصار ومؤيدي من يقول: " تلك فتنة طهر الله منها أيدينا فلنطهر منها ألسنتنا".
لذا فإننا نرى أن مجرد الدعوة إلى عدم الخوض في فتنة الصحابة لا تكفي وحدها للقضاء على عوامل الفتنة بين أبناء الأمة، فلا بد من خطوات عملية في هذا المجال، ومن هنا فإننا نتوجه بالنداء التالي إلى المعاصرين من علماء الإباضية الأفاضل، وهو من ثلاثة مقترحات هي:- 1 - العمل على تحقيق كتب التراث عند طباعتها، أو إعادة طباعتها، خاصة التي تذكر أحداث الفتنة، والتعليق على العبارات التي تسيء إلى الصحابة بالإشارة إلى أنها تمثل وجهة نظر قائلها، لا الدفاع عنها ومحاولة تأويلها.
2 - إعادة النظر في مسألة البراءة من الصحابة رضوان الله عليهم)، فهي ليست ركن من أركان الدين التي لا يكتمل إيمان المرء إلا بها، وإنما هي وكما ظهر لنا من خلال
ما تقدم، اجتهادات للقدامى، وفهم منهم لبعض النصوص. نعم إن الصحابة غير معصومين، فهم بشر يصيبون ويخطئون، ولكن مقام الصحبة عظيم، والبراءة من بعض الصحابة تتعارض مع الأحاديث الصحيحة الواردة في فضائلهم اشتهرت تلك الأحاديث، وبعضها شهد لبعضهم بالجنة.
، فقد
ثم أليس من التناقض رد تلك الأحاديث وعدم العمل بها بدعوى أنها أحاديث أحاد، بينما يؤخذ بالحديث الذي شهد لحرقوص بن زهير بالجنة مع أنه حديث أحاد، ويستشهد بذلك على مكانة حرقوص وصوابه في كل مواقفه.
3 - تربية النشئ على حب جميع الصحابة دون تفريق بين صحابي وآخر، والترضي عنهم جميعاً عند ذكرهم، فأمر يبعث على إثارة المشاعر أن نسمع خطيب الجمعة في مدينة نزوى يصلي على النبي (صلى الله عليه والسلم) ويترضى عن خلفائه الراشدين فيذكر فقط أبي بكر وعمر، أو أن نسمع طالب العلم الشرعي يذكر اسم عثمان أو علي أو معاوية مجرداً، وبأسلوب يكاد يكشف عما في القلب وعن المعتقد، بينما وفي نفس الوقت إذا ذكر اسم المفتي العام للسلطنة، أو اسم عالم
آخر من العلماء المعاصرين يقرنه بعبارات التبجيل والإجلال والاحترام.
المسألة الرابعة شخصية ابن ملجم ونسبته إلى الخوارج سبق أن بينا كيف أن جماعة من الخوارج قد اجتمعوا فاتعدوا على قتل علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، فكان عبد الرحمن بن ملجم لعلي، والبرك بن عبد الله لمعاوية، وعمرو بن بكر لعمرو بن العاص، وقد نجح ابن ملجم في اغتيال علي، بينما فشل صاحباه في مهمتهما حيث نجا كل من عمرو بن العاص ومعاوية من القتل، وقد أصبحت حادثة التآمر هذه حقيقة تاريخية، لذلك ما كان هنالك من داع لطرحها من جديد على بساط البحث لولا أن بعض المحدثين من الإباضية حاولوا من جديد إعادة فتح باب التحقيق في اغتيال علي بن أبي طالب، لا لتبرأة ابن ملجم من دمه، وإنما لتبرأة الخوارج من ذلك، بنفي أي صلة لهم بابن ملجم ولإلصاق تهمة التآمر على قتل علي والتدبير له بمعاوية بن أبي سفيان.
فهذا أحمد بن سعود السيابي محقق كتاب السير للإمام الشماخي يعلق على حادثة اغتيال الإمام علي بقوله: (عبد الرحمن بن ملجم المرادي شخص أقحم في المحكمة أو أهل النهروان اقحاماً، وزج به في أوساطهم زجاً، مع أنه مجهول في صفوفهم، يقول العلامة محبوب بن الرحيل:" أما عبد الرحمن بن ملجم فلم أجد من أصحابنا من يمدحه ولا من
117
117