الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٦٢

يذمه" وقول هذا الإمام الجليل "لم أجد من أصحابنا من يمدحه " لأنه ليس منهم ولا متصل بهم ولا من يذمه" لترفعهم وتنزههم عن السب والشتم، وإنما ابن ملجم دبر من قبل الأشعث بن قيس، وطبيعي أن يتم ذلك بايعاز من معاوية أو علم منه، فإن ابن ملجم بات ليلة مقتل الإمام علي بن أبي طالب في بيت الأشعث بن قيس، وقد سمع حجر بن عدي الأشعث وهو يقول لابن ملجم "قم لقد فضحك الصبح" وقيل: إن الذي سمع ذلك عفيف بين قيس أخو الأشعث ثم ألصقت تهمة القتل وصاحبها بالمحكمة، ونسجت حول ذلك قصة حب بطلاها عبد الرحمن بن ملجم وامرأة أعطيت اسم قطام، وبتدبير من معاوية الحسن بن علي جعدة بنت الأشعث بن قيس، فعملت له السم فقتلته، فعلى

أيضاً تزوج

الباحث أن يتدبر) (119).

وهذا ناصر السابعي يعتمد ما قاله السيابي ويبني عليه، ثم يركز على أن الأشعث بن قيس، هو أحد رجال معاوية بن أبي سفيان المندسين في جيش علي، وقد استطاع أن يكون من المقربين للإمام علي، لكنه كان يتربص به الدوائر، ويتحين الفرص لينتقم منه بسبب عزله إيّاه عن ولاية أذربيجان بعدما ولاه إياها عثمان عفان، لذلك عندما علم بتبييت

بن

ابن ملجم نية قتل الإمام علي شجعه على ذلك ولم يفضحه ويعتمد ناصر السابعي في نسج خيوط العلاقة بين معاوية والأشعث بن قيس على استنتاجات لبعض المعاصرين أمثال عباس العقاد، وطه حسين، وأحمد سليمان معروف، ولبعض المستشرقين، ثم ينتهي إلى تقرير ما يلي:-

1 - براءة الخوارج من دم علي، ونظافة أيديهم من اغتياله، وعلى فرض ثبوت صلتهم بعبد الرحمن بن ملجم، فإن قتله الإمام علي عمل فردي مستقل، لا تلقى عهدته عليهم، ما دام أنه لا توجد قرينة قوية تثبت تواطؤهم عليه.

2 عدم رضى الإباضية الممثلين للثبات على فكر أهل النهروان عن مقتل الإمام علي. -3 - إن كثيراً من أحداث قصة قتل الإمام على مشكوك فيها، من مثل انبهار ابن ملجم بجمال قطام بنت الشجنة، وزواجه منها، بعد أن اشترطت عليه قتل الإمام علي انتقاماً لمقتل أبيها وأخيها مع أهل النهروان (120)

وهذا أيضاً سالم الحارثى يحاول أن يرفع من مكانة ابن ملجم الخارجي، فقد قال في كتابه العقود الفضية: وكان قتله على يد عبد الرحمن بن ملجم المرادي، وعد ابن حجر عبد الرحمن هذا من الصحابة، وذكر عن الإمام الشافعي أنه لا يرى ابن ملجم مخطأ في قتله، لأنه مجتهد وكل مجتهد مصيب) (121).

هذا وإنني أشفق على هؤلاء الباحثين وأمثالهم لإضاعتهم جهدهم العلمي في محاولة قلب الحقائق التاريخية بالتشكيك في رواياتها تارة، وبتفسيرها بما يتفق وإهدافهم تارة أخرى، وفي محاولة إخفاء بعض الأمور التي تنقض ما يريدون إثباته، ولبيان ذلك تذكر الأمور التالية: أولاً: إن الروايات التاريخية تنص صراحة على أن التدبير لقتل الإمام علي من قبل ابن ملجم كان قد بدأ في مكة المكرمة بعد أداء الحج، بعيداً عن الشام والعراق، وبعيداً عن الأشعث بن قيس ومعاوية بن أبي سفيان، كما تنص صراحة على أن معاوية نفسه قد تعرض لمحاولة اغتيال في نفس الليلة التي قتل فيها علي ومن قبل أحد المتآمرين مع ابن ملجم، فكيف يكون معاوية قد دبر مؤامرة قتل علي مع أنه في نفس الوقت كان أحد المستهدفين في تلك المؤامرة.

ثانياً: إن الأستاذ ناصر السابعى يقر بنفسه أن بعض المتآمرين مع ابن ملجم كانوا من الذين اشتركوا مع أهل النهروان، وإذا أضيف إلى هذا أن الروايات قد نصت صراحة على أن ابن ملجم تزوج من امرأة قتل أبوها وأخوها مع أهل النهروان، كان في ذلك

دلالة كافية للحكم على ابن ملجم بأنه كان من الخوارج، والقول بخلاف ذلك. مجرد دعوى ينقصها الدليل، وإلا فليخرج لنا ناصر السابعي ومن معه قائمة بأسماء

،

الذين اشتركوا مع أهل النهروان لمنحكم بأن ابن ملجم وغيره كان منهم أم لا؟ ثالثاً: إن كتب التراجم التي اشتملت على ترجمة لابن ملجم قد نسبته إلى الخوارج، كما في ميزان الاعتدال في نقد الرجال للحافظ الذهبي (122)، ولسان الميزان لا بن حجر العسقلاني (123) ودعوى نفي صلته بالخوارج، تحمل في طياتها التشكيك في هذه الكتب، والتشكيك فيها يعني هدم علم الجرح و التعديل من أساسه

•

وأما ما قاله سالم الحارثي من أن الإمام ابن حجر قد عد ابن ملجم من الصحابة، فهو لم يذكر أين ذكر ذلك، والأمانة العلمية تقتضي منه أن يذكر اسم المصدر الذي اعتمد عليه. وبالرجوع إلى مؤلفات ابن حجر في علم الرجال نجد أنه في لسان الميزان قد ذكر ترجمة لابن ملجم حيث قال: عبد الرحمن بن ملجم المرادي، ذاك المعثر الخارجي، ليس بأهل أن يروى عنه، وما أظن له رواية، وكان عابداً قانتاً لله، لكنه ختم بشر، فقتل أمير المؤمنين علياً متقرباً إلى الله بدمه بزعمه وذكر ابن حجر شيئاً من سيرة ابن ملجم في مصر ثم قال: وكان هذا من خبره أخذناه من الأخبار لابن عفير، وربيعة الأعرج، وغيرهم من علماء مصر بالأخبار، ولولا الشرط في كتابي ذكر من له رواية وذكر لم أذكره للفتق الذي فتق في الإسلام بقتله علي بن أبي طالب) (124)

119

118