الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٦٣

أما في كتاب "الإصابة في تمييز الصحابة " فقد ذكر ابن حجر ترجمة من اسمه عبد الرحمن من الصحابة ولم يذكر معهم ابن ملجم الخارجي، لكنه ذكر اسمه في ترجمة كنانة بن بشر" حيث قال: كنانة بن بشر بن عتاب، قال ابن يونس: شهد فتح مصر، وقتل بفلسطين سنة ست وثلاثين، وكان ممن قتل عثمان، وإنما ذكرته لأن الذهبي ذكر عبد الرحمن به ملجم، لأن له إدراكاً وينبغي أن ينزه عنهما كتاب الصحابة) (125). وهكذا فإنه ليس في شيء مما قاله ابن حجر ما يثبت أن ابن ملجم صحابي إلا قوله (لأن له إدراكاً ولعله يقصد إدراكه لعصر النبي صلى الله عليه وسلم)، ومعلوم أن مجرد إدراك عصر النبوة دون ثبوت اللقاء به عليه الصلاة والسلام لا يثبت الصحبة على القول الأشهر والأرجح عند العلماء، ولهذا لم يحكم ابن حجر لابن ملجم بثبوت الصحبة، خاصة وأنه لم تثبت له رواية عن النبي (صلى الله عليه والسلم بل قال بأن كتب الصحابة ينبغي أن تنزه عن ذكره، ولولا أنه شرط على نفسه ذكر من له ذكر لم يذكره، وهو إنما كان له ذكر للحدث الذي أحدثه في الإسلام بقتله الإمام علي

وأيضاً ليس في شيء مما قاله ابن حجر ما فيه ذكر لرأي الإمام الشافعي في ابن ملجم، ولا أدري من أين جاء سالم الحارثي بما نسبه إلى الإمام ابن حجر نقلاً عن الإمام الشافعي. رابعاً: إن ما قرره ناصر السابعي من أن الإباضية غير راضين عن مقتل الإمام علي، وأنه لا أحد منهم يمدح ابن ملجم، ينقضه ما ذهب إليه الاباضية من البراءة من الإمام علي، كما ينقضه ما جاء في كتاب السير والجوابات" لأئمة وعلماء عُمان من اعتبار قتل الإمام أمراً حلالاً.، ومن الترحم على ابن ملجم، وعده من أئمة المسلمين الذين تجب لهم الولاية، فقد جاء في إحدى السير التي اشتمل عليها الكتاب: (وإذا أحدث الإمام حدثاً يعلم المسلمون أنه ضال، فمشى إليه المسلمون فاستتابوه من ذلك الحدث فأبى عليهم وزعم أن الذي فعل من ذلك جائز وقال: بل أنتم المخطئون في إعابتكم علي وأنا المصيب، فإن الإمام مصر على معصيته الله محدث، ظاهر حدثه، وعلى المسلمين أن يخلعوه، وإن أبى ناصبوه وقاتلوه، وبهذه المنزلة استحل المسلمون قتل علي بن أبي طال بوالخروج عليه، وذلك أنهم نقموا عليه التحكيم في دماء المسلمين من بعد سفكها. .). (126)

وجاء في سيرة أخرى: وصار مخذولاً قد خذله الناس، من بين رجل أنكر الحكومة فخذله وآخر رضي بما حكم عليه فخذله، فلم يرض علي بما حكم عليه، فكيف هذا؟ فإن تكون الحكومة باطلاً فقد كان ينبغي له أن لا يحكم، ولا هو رضي ممن حكمه، ولا ابتع من نصحه، فانسلخ من رحمة الله ومن الملك، وبقي مخذولاً حتى بعث الله عليه عبد الرحمن بن ملجم فقتله غضباً لله ثائراً بدم المسلمين ((127).

من

وجاء في سيرة ثالثة السير التي اشتمل عليها الكتاب: (ثم إن علياً خلعه الحكمان فلم يرض حكمهما، وفرق الله أمره، فقتله عبد الرحمن بن ملجم غضباً لله وكان ذلك منه حلالاً، لقتله الذين يأمرون بالقسط من الناس، فرحم الله عبد الرحمن) (128).

عثمان

يوم

مقتله =

.

أئمتنا

وفي موضع آخر من هذه السيرة جاء ذكر ابن ملجم من ضمن أئمة الإباضية الذين تجب لهم الولاية، حيث قال صاحب السيرة: (. ....... ومن شهد يوم الدار = يقصد دار بن عفان = ويوم الجمل، ويوم صفين، وشهد النهروان من المسلمين، ومن لم يشهد هذه المشاهد من مات على دينهم، ومن مات قبل اختلاف الأمة فهم وأولياؤنا رحمهم الله، ثم من بعدهم عبد الله بن وهب الراسبي وأصحابه الذين جاهدوا معه يوم النهروان حتى استشهدوا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم عبد الرحمن بن ملجم رحمه الله ..... ثم إمام المسلمين عبد الله بن إباض، وسائر أئمة المسلمين جابر بن زيد وصحار بن عبد وجعفر بن السماك. . هؤلاء أئمة المسلمين وفقهاؤهم بما آثروا من دين المسلمين، واتقوا الله ورعوه من عهود الله وقاموا به من شرائع الله وأحيوه من سنن الله، فرحمة الله عليهم ومغفرته ورضوانه) (129). خامساً: إن بعض المعاصرين من الإباضية لم يصل بهم التعصب إلى الحد الذي وصل إليه حال ناصر السابعي ومن معه، فاتصفوا بالتوازن واعترفوا بالحقيقة وهم يتحدثون عن قتل الإمام علي، ومن هؤلاء / صالح الصوافي فقد قال في كتابه "الإمام جابر بن زيد": (لم تقض معركة النهروان على كل المحكمة، وإن كان قد قتل فيها كبارهم وأفاضلهم: إلا أن الباقية منهم ظلت على موقفها. بل إن معركة النهروان لم تزد الباقين إلا إصراراً على موقفهم، وكان مقتل من قتل من أصحابهم يزيد من حماسهم، حتى كان موسم الحج. .. فلما انقضى الموسم أقام نفر من المحكمة المتطرفين بجوار مكة، فقالوا: كان، فلو أن

د

هذا البيت معظماً في الجاهلية، جليل الشأن في الإسلام، وقد انتهك هؤلاء حرمته، قوماً شروا أنفسهم، فقتلوا هذين الرجلين اللذين قد أفسدا في الأرض، واستحلا حرمة هذا البيت، استراحت الأمة، واختار الناس لهم إماماً. فقال عبد الرحمن بن ملجم: أنا أكفيكم أمر علي، وتعهد آخر ان بقتل كل من معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، وتعاقدوا على ذلك ثم اعتمروا عمرة رجب واتفقوا على يوم واحد يكون فيه وقوع القتل منهم على أولئك الثلاثة) (130). لكن د/ صالح عاد في موضع آخر واعتبر ما قام به ابن ملجم عمل فردي ولم يكن نتيجة اتفاق بين أهل النهروان لتفرق شأنهم ولعدم وجود قيادة موحدة لهم حيث قال: (لم

121

120