الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٧١

هؤلاء أيضاً مختلفة، ولسنا نشغل الكتاب بذكر اختلافهم، يطول ذلك، ولكنا أحببنا أن نذكر لكم صدراً من ذلك لتنتهوا، وتعرفوا فرق من خالفكم من أهل القبلة) (2) هذا ويرى المعاصرون من الإباضية أنه نظراً لسيطرة كتلة معاوية على الحكم وامتلاكها الموازين القوى في الدولة صارت في نظر الناس الممثل الرسمي للإسلام، خاصة وأن كثيراً من العلماء قد أزروا خلفاء بني أمية ومن بعدهم خلفاء بني العباس، بدعوى اختيار أخف الضررين، ولكون جُلّ الكتب التي وصلت إلينا في الفرق هي لأولئك العلماء الذين ينتمون إلى هذه الكتلة يرى الإباضية أنه يجب الاحتراز من مثل هذه الكتب (3).

يقول الأستاذ ناصر المسقري في معرض بيانه أسباب التعصب ضد الإباضية:

(أولاً: إنكارهم الظلم في كل زمان، وخاصة زمن بني أمية حيث سلطت عليهم الدولة الأموية إعلامها الهادر فكالت عليهم التهم كيلاً، فانطلت على البعض، وساعد في نشرها، ثانياً: كون الإباضية متفقين مع الخوارج في

الطماعون فيما لدى الدولة

الخروج عن علي بسبب عدم قبول التحكيم سهل إلصاقهم بالخروج، وحروق ومروق الخوارج من الدين سهل الافتراء على الإباضة. ثالثاً: الأكاذيب التي سطرها كتاب المقالات في كتبهم، فكتاب المقالات الذين سطروا الأكاذيب صَلوا وأضلوا، وصاروا قنطرة عبور

للحاقدين سواء قصدوا ذلك أم وقعوا ضحية

أما كونهم ضلوا فهم مسؤولون عما كتبوه يوم القيامة

وأما كونهم أضلوا فكتبهم أصبحت مرجعاً لكل من أراد أن يعرف شيئاً عن الإباضية، ووثقوا بها فيما قالت لسببين: لكون هؤلاء الكتاب من العلماء المشهورين، ولكون هذه الادعاءات موجودة في عدة كتب مع أن مصادر هذه الكتب غير متنوعة، وإنما نقل الثاني ما كتبه الأول وهكذا) (4).

كما ويرى الإباضية أيضاً أن كتلة معاوية وقد آلت إليها مقاليد الحكم في الدولة قد انحرفت عن المنهج الإسلامي، مما دفع بجماعة المسلمين = الإباضية = إلى القيام بثورات ضدها، ولنترك سماحة الشيخ أحمد الخليلي مفتي السلطنة يحدثنا عن ذلك حيث يقول: (ثم تسلم الأمر. أمر من بعدهم = يقصد بعد الخلفاء الراشدين = قوم لهم أحقاد على الإسلام، لأنهم أسروا في غزوات متعددة كانت بين المسلمين والمشركين، تسلم هؤلاء السلطة، فحولوا الخلافة العادلة إلى قيصرية ظالمة غاشمة يورثها الأب ولده.

وكثير من الناس يحبون الدنيا، ويجاملون أهلها، ويمشون في ركاب الذين يتولون أزمة الأمور فيها. فمن هنا كانت الدعايات لهؤلاء، فوصفوا بالفضيلة ووصفوا بالعدل، ووصفوا بالاستقامة، ووصفوا بالحق، وكانت من أراد أن يقوم ضدهم نشرت عنه دعايات .... وفي هذه الحال كانت هنالك أمثلة تدعو إلى الحق، وتبشر بين

متعددة

الناس، وتدعوهم إلى التمسك بأهداب الفضيلة ...... وعلى رأس هؤلاء الذين كانوا يدعون إلى اتباع النظام الذي كان عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وكان عليه الخلفاء الراشدون من بعده، الإباضية، الذين كان لهم النصيب الأوفر من التهم، والذين حوربوا محاربة لا هوادة فيها، حيث حوربوا مادياً ومعنوياً، وأولئك المحاربون كان همهم أن يمشوا في ركاب الظالمين، وأن يكونوا دائماً في مواكبهم، لينالوا من نعيم عيشهم، لأن الناس أتباع الدنيا، وقد سُخر العلم مع الأسف الشديد لهذه المصلحة، وهذا كله إنما تم بعدما تولت السلطة في بلاد الإسلام الدولة الأموية، تلك الدولة الجائرة التي انحرفت بالحكم عن المنهج الإسلامي الصحيح. ثم جاءت من بعدها دولة بني العباس، فسلكت هذا المسلك نفسه، وقد كانت بين هاتين الدولتين وبين الإباضية معارك متعددة، كيلت التهم فيها للإباضية مع أن الإباضية وقفوا عند حدوده وعملوا بسنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (5).

ثم يدافع سماحة الشيخ عن موقفه تجاه الدولة الأموية، ويبرره بقوله: (وقد يقول قائل إنني تحاملت على الدولة الأموية، ونسبت إليها ما هي بريئة منه وأريد أن أثبت إلى الذين يظنون ذلك، أنه ما في نفسي، وليس في نفس أحد من الذين يقولون بما أقول حقد على الأمويين من حيث إنهم أمويون، ولكن في نفسي كراهية للباطل من حيث إنه باطل، وللظلم من حيث إنه ظلم، وللجور من حيث إنه جور، وللانحراف من حيث أنه انحراف) (6).

هذا ومع إجلالنا لسماحة الشيخ وتقديرنا لعلمه ومكانته الدينية، نرى أنه قد وقع فيما أراد أن يحذر منه، ألا هو الانزلاق في دواعي الفرقة والخلاف بين المسلمين" فكلامه السابق جاء في كتابه "نبذ التعصب المذهبي" والذي جاء رداً على رسالة جاءته من أحد الدارسين في الولايات المتحدة الأمريكية، يشكو فيها موقف بعض أهل السنة من إخوة لهم من المذهب الإباضي، ويستفسر من خلالها عن فرقة الإباضية ومكانتها بين المسلمين، وعن سبب عدم انتشار كتبها ومصادرها في المكتبات والجامعات الإسلامية.

وقد جاءت إجابته على تلك الرسالة، والتي من ضمنها كلامه السابق، أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها غير بعيدة عن التعصب وذلك لما يلي:

135

134