الإباضية مذهب لا دين
الجزء ١ · صفحة ٧٢1 - اتهامه خلفاء بني أمية بالحقد على الإسلام لأنهم أسروا قبل إسلامهم في غزوات كانت بين المسلمين والمشركين، وهو يقصد بذلك أولاً الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان.
عنه،
ذلك
وبين
الحقد
نعم إن معاوية قد حوّل الخلافة إلى ملك وراثي، ووقع في بعض المخالفات الشرعية، التي أنكرها عليه بعض الصحابة والتابعين، ولكن ثمة فرق بين على الإسلام وبالتالي التآمر عليه، فمفهوم الحقد غير مفهوم المعصية، فليست كل معصية ناتجة عن حقد على الإسلام، ثم إن معاوية إنما فعل ما فعل حباً لرئاسة والزعامة لا حقدا على الإسلام، لأن من يحقد على الإسلام لا يعمل على نشر لواءه ولا يدافع، ففي عهده توسعت حدود الدولة الإسلامية، فكانت غزوة السند، وغزوة القسطنطينية، وفتح جزيرة أرواد. ثم إنه إذا كان بعض مشاهير الصحابة من ضمن صفوف المشركين قبل إسلامهم فإن ذلك لا يُعد وصمة عار في تاريخهم، لأن الإسلام يجب ما قبله. إذن إذا كان لمعاوية بن أبي سفيان مثالب فإن له أيضاً مأثر محمودة، وهو ما اعترف به أحد المعاصرين من الإباضية وهو سالم الحارثي حيث يقول في كتابه العقود الفضية: قلت: وكانت لمعاوية في دولته آثار محموده فقد تدارك الموقف وسد الثلمة، وشرع في الجهاد وحماية البلاد وركب البحر، وافتتح مناطق مشهورة، وسدد وقارب حتى نسي المسلمون أو كادوا ينسون ما وقع بينهم، وسمي ذلك العام عام الجماعة، وذلك بعد قتل علي وتسليم الحسن
لمعاوية) (7).
2 - وصفه الدولة الأموية ومن بعدها الدولة العباسية بالدولة الجائرة التي انحرفت عن المنهج الإسلامي الصحيح. إنه وصف يبتهج له أعداء الإسلام ويطرب له الحاقدون عليه، والذين يصفونه بأنه مثالي يحلق في عالم من الخيال، لأنه لم يطبق إلا في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده. ولا أظن أن سماحة الشيخ يقصد بوصفه ذاك أن يخدم أعداء الإسلام أو أن يطعن في الإسلام، ولكن تعاطفه مع أسلافه من الإباضية الذين ثاروا على الدولة آنذاك فنكلت دفعه إلى قول ما قال. وله أن يتعاطف، وأن يظهر مساوئ الخلفاء من بني أمية وبني العباس، ولكن ليس له أن يهدم جزءاً من تاريخ الأمة الإسلامية استمر حقبة من الزمن تزيد عن أربعة قرون، وفي خلال هذه الحقبة قامت الدولة الأموية ومن بعدها الدولة العباسية باسم الاسلام، تحمل لواءه وتدافع عنه، وتنشر دعوته.
بهم هو
الذي
ثم إن الإسلام في هاتين الدولتين كان مصدر التشريع، وبتسجيع منهما ازدهرت العلوم الشرعية، بل وغيرها من العلوم الأخرى فقامت الحضارة الإسلامية وازدهرت، وعلى أكتافها قامت الحضارة الأوروبية. وإذا كانت ثمة أخطاء وقعت فيها الدولتان، فإن ذلك لا يعني أن ننقص من شأنهما ومن الدور الذي قامتا به، والله سبحانه وتعالى يقول: (ولا يجر منكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى.
ثم إن حال الدولة المعاصرة ليس بأحسن من حال الدولة الأموية أو العباسية، فالدولة المعاصرة شريعة الله فيها معطلة في أكثر جوانب الحياة ومجالاتها، الدولة المعاصرة لم تهزأ أركانها صرخة «واقدساه» كما هزت صرخة (وا) معتصماه) أركان الدولة العباسية، فسيرت الجيوش لتثأر لشرف امرأة أطلقتها. ومع ذلك ندعو للدولة المعاصرة ونثني عليها الثناء كله، وإذا أنكرنا عليها تصرفاً ما، ننكره على استحياء أو وجل فهل الباطل في الدولة المعاصرة غير الباطل في الدولة الأموية أو العباسية، وهل الظلم في الدولة المعاصرة بأقل منه في تلك الدولة، وهل الانحراف فيها يختلف عن الذي في تلك، حتى نوالي هذه ونكره تلك. 3 - وصفه العلماء الذين عاشوا في كنف الدولتين الأموية العباسية، وقد رمز إليهم بكثير من الناس، بالمجاملين على حساب دينهم، وبالسائرين في ركاب الظالمين ليناولوا من نعيم عيشهم، وقد سخروا علمهم لأجل ذلك، فوصفوا من قبل الدولتين بالفضيلة وبالعدل.
وهذا الوصف انتهاك آخر لتاريخ الأمة التشريعي، فالعلماء الذين عاصروا الدولتين هم الأوائل من أئمة وفقهاء المذاهب السنية الأربعة، المذهب الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، والأكثرية المطلقة من الناس في ذلك الوقت كانت تتبع أحد تلك المذاهب، فماذا يبقى إذن لأكثرية المسلمين من تاريخهم بعد ذلك؟ دولتهم جائرة منحرفة عن منهج وعلماؤهم. سوء لم يثورا على سلطان جائر.
علماء
الله،
وقد يقول قائل بأنني قد حملت كلام الشيخ أكثر مما يحتمل أو فسرته على خلاف ما يقصد، وعندها أقول: وهل يحتمل كلامه معنى آخر غير الذي قلت، أو غير ما فهمت
منه؟
ثم إذا قلنا بأن العلماء في الدولتين قد استحقوا تلك الأوصاف لأنهم لم يخرجوا على الخلفاء الجائرين والظالمين فهل ما هو موجود في الفكر السياسي عند الإباضية يختلف عما كان من أولئك العلماء، يقول عدون جعلان في كتابه الفكر السياسي في بيان موقف الإباضية من الخروج على السلطان الجائر: أما وجوب الخروج، فلم يقل به إباضي، بل نجد
137
136