الإباضية مذهب لا دين
الجزء ١ · صفحة ٧٣الشيخ إطفيش يرد بشده على من يتهم الاباضية بالقول بوجوب الخروج على رأي الخوارج فيقول في "الذهب الخالص" مثلاً: نحن لا نقول بالخروج عن سلاطين الجور الموحدين" ومن نسب إلينا وجوب الخروج فقد جهل مذهبنا. والموقف المعتدل حسبما يراه القطب أنه يكتفي الإباضية باعلان البراءة من الإمام الجائر، وكذا من تبعه في جوره مع ولاية كل من كان تحت لوائه لجواز القعود تحت الموافق مطلقاً" هذا رأي الإباضية في علاقتهم بالحاكم الجائر، وهو ما أكده الشيخ علي معمر في قوله: "إذا ابتليت الأمة بأن كان حاكمها ظالماً فإن الإباضية لا يرون وجوب الخروج عليه لا سيما إذا خيف أن يؤدي ذلك إلى فتنة وفساد أو يترتب على الخروج ضرر أكبر مما هم فيه
ومما يؤكد مذهب الإباضية في عدم الخروج ما ذكر عن عبد الله بن إباض، أنه عندما اجتمع أصحابه عازمين الخروج وفيهم نافع بن الأزرق ووجوه المسلمين سمع في جوف الليل دوي القراء وترنين المؤذنين وحنين المسبحين فقال لأصحابه: أعن هؤلاء أخرج معكم؟ فرجع وكتم أمره واختفى، حتى وإن كانت مناسبة هذه الحادثة في غير الخروج عن السلطان الجائر فإننا نستفيد منها موقف ابن إباض الرافض مبدأ الخروج، ومما يثبت عدم التجائه للخروج أنه لم يرد عنه تنظيم حملة للخروج على خليفة عصره، بل كانت هنالك علاقة طيبة مدعمة بمراسلات تربط بينه وبين الخليفة عبد الملك بن مروان هذا عن عدم وجوب الخروج أما عن جوازه فنسجل رأي الإباضية من خلال موقف الوارجلاني حيث يقول: " إن مذهب أهل الدعوة في الخروج على الملوك الظلمة والسلاطين الجورة جائز" ونجد الرأي نفسه عن الشيخ علي يحيى معمر) (8).
والآن إذا كان هذا هو رأي الإباضية في الخروج على السلطان الجائر، وجوباً وجوازاً، فكيف يكون لسماحة الشيخ أن يصف الناس بما وصفهم به لأنهم عاشوا في دولة بني أمية أو دولة بني العباس، ولم يكونوا مع جماعة الإباضية؟.
ثانياً: استمرار دعوة المحكمة بعد وقعة النهروان وظهور جماعة القعدة. سبق أن أشرنا عند الحديث عن وقعة النهروان أن الإمام علي (رضي الله عنه) قد أعطى راية الأمان لأبي أيوب الأنصاري لمن أراد من أهل النهروان، فانصرف منهم طوائف كثيرة، ولم يبق منهم مع عبد الله بن وهب الراسبي إلا ألف وثمانمائة رجل، وأنه (رضي الله عنه) بعد انتهاء وقعة النهروان قد أمر بالجرحى منهم فسلموا إلى قبائلهم لمداواتهم. وجدير بالذكر أن ما حصل لجماعة المحكمة في وقعة النهروان ما كان لينهي دعوتهم، بل لعله كان مما زادهم شدة في دعواهم، فمضوا على مبادئهم يعلنون أن لا حكم إلا لله، وأن
من خالفهم مخطئ، وأن عليهم أن يخرجوا على طاعة بني أمية، وهذا المسلك منهم قد أثار خلفاء عليهم بني أمية وعمالهم على العراق، فأخذوهم بالشدة القاسية حتى لا يشيروا الفتنة في أرجاء الدولة، بعد أن هدأت الأمور لصالحهم، ولكن مع ذلك قامت جماعة المحكمة بثورات متفرقة في الكوفة والبصرة ما بين سنتي إحدى وأربعين وسبع وأربعين للهجرة، وكما ذكرت ذلك المصادر الإباضية وغيرها (9) إلا أنها قضي عليها جميعاً ولم يتحقق لأي منها النجاح لافتقارها إلى التنظيم والتخطيط وكان من نتيجة عدم نجاح تلك الثورات أن شاعت الفرقة في صفوف المحكمة، وسادها الاضطراب، مما دفع بعضهم إلى الغلو في الخروج على الدولة، وتنكب الطريق السوي، فاندفع هذا البعض يستعرض المسلمين بالسيف، ويستبيح قتل الصبية والنساء في طيش ورعونة، بينما استنكر بعضهم الآخر هذا السلوك، ولم يجدوا بدأ من الافتراق عن أولئك الغلاة الذين انحرفوا بدعوة المحكمة عن منهجها، إيماناً منهم بأن طريق الاستعراض بالسيف ليس هو طريق الإسلام، وأن الدعوة إلى الله تكون بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، لأن كل أهل القبلة مسلمون، وإن ضل بعضهم = من وجهة نظرهم = طريق الحق، وجب رده إلى سواء السبيل وتبصرته به ليتوب عن خطئه، ويعود إلى صحيح إسلامه، وقد كان على رأس هؤلاء مرداس بن أديه التميمي (10)
وأدية هي جدة مرداس، وقيل أمه، وكنيته أبو بلال، وهو ممن شهد وقعة النهروان، فنجا فيمن نجا، وشهد وقعة صفين مع علي، وأنكر التحكيم مع المنكرين، وتذكر المصادر الإباضية أن له فضائل لا تحصى في العلم والورع والديانه والشجاعة (11)
ويعد أبو بلال مرداس بن أدية أحد أبرز قادة المحكمة بعد وقعة النهروان، وقد أثرت فيه الأحداث الدامية التي مر بها المسلمون من قتل وفتنة، وحروب، فبدأ ينتهج طريقاً سلمياً في نشر أفكار المحكمة بين الناس، وآثر الانسحاب مع نفر من أصحابه من الكوفة إلى البصرة، ليقيم فيها مع أبناء عمومته من قبيلة تميم. والتي كانت تشكل الجزء الأكبر من سكان البصرة آنذاك، وكان على رأس تلك القبيلة الأحنف بن قيس السعدي، الذي كان أحد أنصار الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه) وممن شهد إلى جانبه وقعة النهروان، لكنه تخلى عنه بعد ذلك، ربما أسفاً منه لما حلّ بأقاربه من بني تميم من موت وهلاك في وقعة النهروان، لذلك بدأ يميل إلى آراء المحكمة، فآوى إليه أبو بلال وأتباعه، وأسبغ عليهم حمايته، وقد أتاحت هذه الحماية الفرصة سانحة لأبي بلال أن ينشر دعوته، وأن يبث. أفكاره في البصرة (12).
139
138