الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٧٤

وإذا كانت نقطة البداية في دعوة أبي بلال هي إنكار مسلك العنف مع المخالفين له، فإنه كان على أتباعه ألا يجردوا سلاحاً، ولا يقاتلوا مسلماً، إلا إذا تعرضوا لعدوان وواجهوا قتالاً، حيث كان يقول لهم: (إن الإقامة على الرضا بالجور لذنب، وإن تجريد السيف وإخافة الناس لعظيم، ولكن نسير في أرض الله، ولا نجرد سيفاً، وإن أرادنا القوم بظلم امتنعنا منهم، فقالوا له: أنت سيد المسلمين وبقيتهم) (13).

وكان من نتيجة المسلك الذي انتهجه أبو بلال أن تزايد عدد اتباعه ومؤيدوه، حتى لقد اتبنوا لهم مسجداً خاصاً بهم في البصرة (14)، ولكن لم يكن أمرهم خافياً على زياد بن أبيه، والي معاوية بن أبي سفيان على الكوفة والبصرة والذي سلك ومتسامحة، فقد كان لا يجرد سيفه ضد أحد منهم، إلا إذا هم بالخروج، بل إنه كان

معهم

سياسة لينة

يخطب ودهم، ويداريهم لما لمسه فيهم من اعتدال، وليتفرغ لقتال المتطرفين من المحكمة الذين كانوا يغيرون على القرى، ويقتلون الناس ويسلبونهم ويضايقونهم في عيشهم (15). كما كان من نتيجة ذلك المسلك أيضاً أن المتطرفين من المحكمة قد نقموا على أبي بلال وجماعته، حتى أنهم لقبوهم = احتقاراً = بالقعدة، أي الذين قعدوا = طبقاً لوجهة نظرهم = عن الجهاد في سبيل الله، ومحاربة الولاة الظالمين، بينما كان يطلق عليهم أهل البصرة اسم الحرورية، نسبة إلى حروراء، وأحياناً كانوا يطلقون عليهم اسم المحكمة، أما هم فكانوا يسمون أنفسهم بالشراة أي الذين اشتروا أنفسهم في سبيل الله (16).

،

ومع وفاة زياد بن أبيه سنة (53 هـ) وتولية ابنه عبيد الله بن زياد على البصرة من قبل معاوية، بعد أن عزل عنها عبد الله بن عمرو بن غيلان سنة (55 هـ) تبدلت الحال، وتغير تماماً. الوضع، فقد استعمل ابن زياد الشدة والقسوه مع كل المعارضين لسياسة بني أمية، بمن فيهم جماعة مرداس (القعدة) مبرراً ذلك بتصميمه على تحاشي الشر قبل وقوعه، فاضطرت جماعة القعدة، إزاء هذه السياسة الجديدة إلى تبني التنظيم السري، فكانوا يعقدون اجتماعاتهم سراً للدعوة لآرائهم، والنظر فيما يعنيهم ويساعدهم على تحقيق أهدافهم، ولكن ابن زياد لم يغض الطرف عنهم فأخضعهم لمراقبة شديدة، وكان يبث العيون والجواسيس لتعقبهم، وكثيراً ما كانت الشرطة تداهم بعضهم، وتلقي القبض عليهم في سراديبهم السرّية التي أقاموها لتكون مركزاً لدعوتهم، ولم يكتف ابن زياد بمطاردتهم والتنكيل بهم، بل لجأ إلى أسلوب آخر يرمي إلى زرع الفرقة والخلاف، وزعزعة الثقة بينهم أملاً في القضاء عليهم من الداخل نتيجة الانقسام والنزاع ثم يأمرهم بقتل بعضهم بعضاً، ومن قتل رجلاً منهم عفا عنه وأخرجه من السجن (17).

، فقد كان يحبس

الجماعة منهم

ثم تطورت سياسة القمع التي سلكها ابن زياد ضد جماعة القعدة فحبس شيخهم مرداس، لكنه أطلق سراحه فيما بعد، إما خوفا من إثارة بني تميم قبيلة مرداس التي كان لها آنذاك وزن كبير في البصرة، وإما طمعاً في أن يستعمل مرداس نفوذه لدى أتباعه ليخففوا من نشاطهم ودعايتهم ضد الأمويين وولاتهم (18) وأيضاً بدأ يتناول بقمعه النساء من القعدة، حتى أنه استعمل مع بعضهن أسلوب التعرية والصلب، ومن النساء اللواتي تعرض لهن "البلجاء الخزامية" أو "البثجاء" فقد ذكرت المصادر الإباضية أنه أراد كشف رأسها فمنعته، فقال: لأكشفن أحسن بضعة منك. قالت: لقد سترته حيث لم تستره أمك. فأمر بها فقتلت (19). وفي رواية ذكرها ابن الأثير أنه قطع يديها ورجليها وطرحها في السوق، فمر بها أبو بلال مرداس، فعض على لحيته وقال: أهذه أطيب نفساً بالموت منك يا مرداس؟ ما ميتة أموتها أحب إلي من ميتة

البثجاء (20)

ولقد كان لهذه الحادثة أثر كبير في نفس مرداس، فعزم على أن يترك البصرة إلى مكان آخر يأمن فيه بطش ابن زياد، فخرج إلى الأهواز ومعه نحو ثلاثين أو أربعين رجلاً من أتباعه (21).

L

ولا سمع ابن زياد خبرهم بعث إليهم جيشاً بقيادة أسلم بن زرعة الكلابي سنة (60 هـ) فأدركهم في مكان يقال له (آسك) فقالوا له: اتق الله فإنا لا نريد قتالاً، فما تريد؟ قال: أردكم إلى ابن زياد، قالوا له: يقتلنا وتشاركه في دمائنا. قال:: نعم، ودماؤكم حلال وهو محق. وتذكر الروايات أن جيش أسلم قد رمى رجلاً من أصحاب أبي بلال فقتلوه، فقال أبو بلال: جاهدوا ولتكن إلى الله رغبتكم، واستعينوا بالله واصبروا، فحملوا على جيش أسلم، وشدوا عليهم شدة رجل واحد فهزموهم (22) ولما وصلوا البصرة لامهم ابن زياد، وعنف أسلم قائلاً له: هزمك أربعون وأنت في ألفين لا خير فيك، فقال له: لأن تلومني وأنا حي خير من أن تثني علي وأنا ميت (23).

ولعل هذا القول من أسلم هو الذي دفع بالأستاذ الدكتور عوض خليفات إلى ترجيح أن أسلم وجيشه قد رجعوا دون قتال مؤثرين السلامة والعافية، حيث قال: (ورغم شجاعة الخوارج المعروفة في شتى معاركهم التي خاضوها إلا أنه من الصعب أن يصدق المرء ما تذكره بعض الروايات من أن أسلم وجنده الألفين قد هزمهم أربعون رجلاً أو أقل عدداً، أو أنهم خافوا مواجهة هذا العدد الضئيل، ومن المحتمل أن أسلم قد امتنع بعد النقاش الذي دار بينه وبين مرداس وأصحابه، بوجهة نظر مرداس، ولكن دون أن يغير ولاءه لابن زياد والأمويين) (24).

141

140