الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٧٥

ومهما يكن فإن حملة أسلم فشلت في القضاء على خروج مرداس وجماعته، مما دفع بابن زياد إلى أن يوجه إليهم عباد بن علقمة التميمي المعروف بابن الأخضر، على رأس جيش مكون من أربعة آلاف رجل، وعندما أدركهم حمل عليهم هو وجيشه وهم في صلاة

الجمعة فقتلوهم عن آخرهم، وهم بين راكع وساجد وكان ذلك سنة (61 هـ) (25). وبعد أن فرغ ابن الأخضر من مهمته رجع إلى البصرة قاصداً قصر الإمارة، فلقيه أربعة نفر من القعدة = وقد علموا بمقتل مرداس ومن معه = فحملوا على ابن الأخصر فقتلوه، فاجتمع الناس عليهم فقتلوا ثلاثة منهم، وعندما علم ابن زياد بالأمر وكان وقتها في الكوفة طلب من نائبه على البصرة عبيد الله بن أبي بكرة، بأن يتبع كل جماعة القعدة فيحبسهم = وقد وصفهم بالخوارج = وعندما عاد ابن زياد إلى البصرة أخذ من في الحبس من الخوارج فقتلهم، وكان من بينهم عروة بن أدية، أخو مرداس، كما قتل كل من تكفل باحضار أحد من الخوارج ولم يحضره، أما من أحضر من تكفل باحضاره من الخوارج أطلقه وقتل الخارجي (26).

وإذا كان أبو بلال مرداس بن أدية أحد أشهر قادة المحكمة بعد وقعة النهروان، وزعيم جماعة القعدة، فإن الإباضية يعدونه من رواد دعوتهم في القرن الأول الهجري، وفي تحديد علاقته بالإباضية، يقول مبارك الراشدي في كتابة الإمام أبي عبيدة: (كان أبو بلال من أئمة الاباضية، بل إن الاباضية أخذوا برأيه وسلكوا طريقته في عدم استعراض الناس بالقتل والنهب، ويعدونه من أسلافهم الصالحين، وقدوتهم في الدين، وقد أجمع الإباضية على ذلك، فعدوه في جملة أسلافهم الأوائل .. وذلك لأنه وجابر بن زيد متلازمان كفرسي رهان، ولا يكاد أن يفترقا إلا عند السحر، وكان يقول كل واحد منهما لصاحبة، طال شوقي إليك، بالإضافة إلى أنه أخ لعروة مولى أبي عبيدة، فكانت طريقتهما واحده، ومسلكهما واحد، ولا تكاد سيرة من السير الإباضية القديمة تخلو من ذكره، إلا أنه لا توجد له مسائل فقهية، ولعل له آثار فقدت في جملة ما فقد من تراث الإباضية القديم بحكم انقراضهم من البصرة) (27).

.

ثالثاً انقسام فرقة المحكمة إلى عدة فرق منها الإباضية

كان لمقتل مرداس على يد عبيد الله بن زياد أثر عميق في نفوس أتباعه، حتى غدا بسلوكه مثلهم الأعلى، فانبرى الشعراء منهم يعدون مآثرة (28)، ويصفونه بالقدوة الحسنة، كما كان لسياسة التصعيد القمعية التي انتهجها ابن زياد ضد المحكمة سواء متهم المعتدلون أم المتطرفون، أن ازدادت نقمتهم على بني أمية حتى أصبحوا يتطلعون إلى أي بارقة أمل

يتعلقون بها في سبيل التخلص من حكم بني أمية، لذلك عندما ثار عبد الله بن الزبير في الحجاز في عهد يزيد بن معاوية سنة 64 هـ معلناً معارضته للحكم الأموي ولمبدأ الوراثة في الخلافة، ترك جمع من رؤساء المحكمة البصرة، وذهبوا إلى الحجاز لينضموا إلى ثورة ابن الزبير، وكان على رأسهم عبد الله بن إباض، وعبد الله بن الصفار، ونافع بن الأزرق والذي قال قبيل خروجه يستنهض همم المحكمة باللحاق بابن الزبير: (إن الله قد أنزل عليكم الكتاب، وفرض عليكم الجهاد واحتج عليكم بالبيان، وقد جرد أهل الظلم فيكم السيوف، فاخرجوا بنا إلى هذا الذي قد ثار بمكة، فإن كان على رأينا جاهدنا معه، وإن يكن على غير رأينا دافعناه عن البيت) (29)

وعندما قدم ابن الأزرق ومن معه على ابن الزبير بمكة سُرّ بهم، وأخبرهم أنه على مثل رأيهم من غير تفصيل، فقاتلوا معه القوات الأموية التي أرسل بها الخليفة يزيد بن معاوية لإخماد ثورة الحجاز، واستمر القتال بين الفريقين في مكة حتى وصلهم خبر وفاة يزيد بن معاوية، عندها تراجعت القوات الأموية، وأقلعت عن مكة، واستفحل أمر ابن الزبير بالحجاز وما والاها، وبايعه الناس هنالك، وعلى إثر ذلك اجتمع ابن الأزرق ومن معه وقالوا فيما بينهم: إنكم قد أخطأتم لأنكم قاتلتم مع هذا الرجل يعنى ابن الزبير ولم تعلموا رأيه في عثمان بن عفان، وقد كان أمس يقاتلكم هو وأبوه، وينادي يا ثارات عثمان، فائتوه واسألوه عن عثمان، فإن برئ منه كان وليكم، وأن أبى كان عدوكم فاجتمعوا إلى ابن الزبير وسألوه عن عثمان، فأجابهم فيه بما يسوؤهم وذكر لهم ما كان متصفاً به من الإيمان والتصديق والعدل والإحسان والسيرة الحسنة والرجوع إلى الحق إذا تبين له، فعند ذلك نفروا عنه وفارقوه وقصدوا بلاد العراق، والتي ما لبثت أن أعلنت ولاءها إلى ابن الزبير، فقد بايعه بالخلافة أهل البصرة وأهل الكوفة، فبعث إلى أهل البصرة الحارث بن عبد الله بن ربيعة والياً عليهم، وبعث إلى أهل الكوفة الرحمن بن يزيد الأنصاري على الصلاة، وإبراهيم بن طلحة على الخراج (30)

بن

محمد

عبر

وهكذا كانت الظروف السياسية الجديدة التي سادت العراق بانحسار الحكم الأموي عنها = مؤقتاً = فرصة ذهبية للمحكمة لكي يتعاونوا مع باقي جماعة المسلمين لتوطيد دعائم ابن الزبير في العراق وإقامة حكم إسلامي على غرار الخلافة الراشدة، خاصة وأن اليمن ومصر قد أعلنت أيضاً ولاءها إلى ابن الزبير، وبالتالي كان من الممكن أن يتحقق للمحكمة ما كانوا يدعون إليه، ويقاتلون من أجله. ولكنهم بدلاً من ذلك نفضوا يدهم من يد ابن الزبير، وخالفوا جماعة المسلمين في العراق ومكة والمدينة ومصر واليمن، واستمروا على ما هم عليه من الخروج، متخذين من رأي ابن الزبير في عثمان بن عفان والمخالف

143

142