الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٧٦

لرأيهم، حجة وإلا فإن ابن الزبير لم يحكم الرجال في دين الله، ولم يكن منحرفاً في سيرته وسلوكه عن المنهج الإسلامي حتى يتخلوا عنه.

وهنا أتساءل هل رأي المحكمة ومن وافقهم في عثمان بن عفان حجة قطعية الدلالة، حتى يعد مقياساً للولاء والبراء، وعلامة على صحة الإيمان، وسبباً للطاعة من عدمها وهدفاً أسمى تفرق كلمة الأمة لأجله؟

إن المصلحة الإسلامية آنذاك ومنطق العقل كانا يقتضيان أن يتخلي ابن الأزرق وابن إباض ومن معهما من المحكمة عن رأي اعتقدوه وأسلافهم في صحابي جليل قد أفضى إلى ما عمل إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وبالتالي يتحدوا مع ابن الزبير الذي ثار لكي لا تكون الخلافة الإسلامية وراثية، خاصة وأنه لم يرفضهم لأجل رأيهم، وإنما هم الذين رفضوه لأجل رأيه. أقول بدل أن يضع المحكمة يدهم بيد ابن الزبير راحوا يبحثون الخطوة التالية الواجب اتخاذها تجاه التطورات التي مرت بها الدولة الأموية آنذاك، ويبدو أنهم اختلفوا حيال ذلك، فانقسموا إلى فريقين. فريق غال متطرف اختار استمرار الخروج واستعراض مخالفيه بالسيف، ويتزعمه نافع بن الأزرق. وفريق آخر معتدل، اختار البقاء بين أظهر المسلمين والتعايش معهم، وعدم منابذتهم بالسيف، ويتزعمه عبد الله بن إباض، وعبد الصفار، ونجدة بن عامر الحنفي، يقول ابن الأثير في ذلك: (. فأما نافع وأصحابه فإنهم قدموا البصرة وهم على رأي أبى بلال واجتمعوا وتذاكروا فضيلة الجهاد، فخرج نافع على ثلاثمائة، وذلك عند وثوب الناس بابن زياد وكسر الخوارج باب السجن، وخرجوا واشتغل الناس عنهم بحرب الأزد وربيعة وتميم.

الله

بن

،

فلما خرج نافع تبعوه واصطلح أهل البصرة على عبد الله بن الحرث فتجرد الناس للخوارج وأخافوهم، فلحق نافع بالأهواز في شوال سنة أربع وستين، وخرج من بقي منهم بالبصرة إلى ابن الأزرق إلا من لم يرد الخروج يومه ذلك، فهم عبد الله بن الصفار وعبد الله بن إباض، ورجال معهما على رأيهما. ونظر نافع فرأى أن ولاية من تخلف عن الجهاد من الذين قعدوا من الخوارج لا تحل له، وإن من تخلف عنه لانجاة له، فقال لأصحابه ذلك، ودعاهم إلى البراءة منهم، وأنهم لا يحل لهم مناكحتهم ولا أكل ذبائحهم، ولا يجوز قبول شهادتهم، وأخذ علم الدين عنهم ولا يحل ميراثهم، ورأى قتل الأطفال واستعراضهم، وأن المسلمين كفار قبل كفار العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل، فأجابه إلى ذلك جميع بعضهم وفارقه بعضهم، وممن فارقه نجدة بن عامر وسار إلى اليمامة فأطاعه الخوارج الذين بها. … فكتب نافع إلى ابن إباض وابن الصفار الكتاب ولم يقرأه على أصحابه خشية

أن يتفرقوا ويختلفوا، فأخذه ابن إباض فقرأه فقال: قاتله الله أي رأي رأى؟ صدق نافع لو كان القوم مشركين، كان أصوب الناس رأياً وكانت سيرته كسيرته في المشركين ولكنه قد كذب فيما يقول: إن القوم برآء من الشرك ولكنهما كفار بالنعم والأحكام، ولا يحل لنا إلا دماؤهم، وما سوى ذلك فهو حرام علينا فقال له ابن الصفار برئ الله منك فقد قصرت وبرئ الله من ابن الأزرق فقد غلا) (31) وهكذا فإن جماعة المحكمة تكون قد انقسمت على نفسها رسمياً سنة 64 هـ، إلى عدة فرق، وقد أدى انقسامها هذا في الموقف السياسي إلى تباين فكري وعقائدي واضح بين فرقها، فأتباع نافع بن الأزرق وقد عرفوا بالأزارقه نسبة إليه، نادوا بآراء متطرفة حيث وصفوا مخالفيهم بالمشركين فأباحوا دمائهم وأموالهم، ونادوا بعدم التعامل معهم، وبعدم مناكحتهم

وموارثتهم، وانتهجوا خطا ثورياً متطرفاً في سبيل الحفاظ على مبادئهم ونشرها وتطبيقها. أما أتباع عبد الله بن إباض وقد عرفوا بالإباضية نسبة إليه، فلم يحكموا على مخالفيهم من أتباع الفرق الأخرى بالشرك لأن معهم التوحيد والإقرار بكتاب الله وسنة

رسوله، وإنما اعتبروهم كفار نعمة تجوز مناكحتهم وموارثتهم، والإقامة بينهم ومعهم.

وأما إتباع عبد الله بن صفار وقد عرفوا بالصفرية، وإتباع نجدة بن عامر وقد عرفوا بالنجدية أو النجدات، فقد تابعوا الأزارقة في الحكم على مخالفيهم بالشرك وما يترتب عليه، وتابعوا الإباضية في عدم وجوب الخروج ومقاتلة مخالفيهم (32) وهذا التباين في الموقف الفكري والعقائدي لفرق المحكمة أدى إلى أن يتبرأ بعضها من بعضها الآخر، وقد جاءت البراءة = كما ظهر ذلك من خلال نص ابن الأثير المتقدم على لسان زعيم كل فرقة، فابن الأزرق رأى أنه لا تحل ولاية من قعد عن الخروج معه ه من

المحكمة

وابن الصفار قال لابن إباض برئ الله منك، فقد قصرت أي في عدم الحكم على المخالفين بالشرك = وبرئ الله من ابن الأزرق فقد غلا، أي لأجل ايجابه الخروج وقتال المخالفين. فقال ابن إباض له: برئ الله منك، ومنه أي من ابن الأزرق (33). وهكذا بدا لنا واضحاً من خلال السياق التاريخي لتسلسل الأحداث، وبحسب ما دلت عليه المصادر المعتمدة عند الاباضية، وجود صلة بين الاباضية وبين فرقة المحكمة التي عرفت تاريخياً باسم الخوارج، وهي صلة يصعب على الإباضية التنصل منها بعد أن أقر بها زعيمهم السياسي عبد الله بن إباض في رسالته إلى عبد الملك بن مروان، والتي جاء فيها

145

144