الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٧٩

1

1

على أساس الخروج، وهل هو خروج ديني يمرق صاحبة من الدين ومن الملة، أم هو خروج سياسي لخلاف وجهة نظر أخرجت صاحبها من طاعة إمام وخليفة شرعي للمسلمين، أم هو مجرد خروج من بلد إلى آخر ومن قرية إلى أخرى) (3).

ثم استبعد الأستاذ بلحاج الاحتمال الثالث، وهو أن تكون تسمية الخوارج بذلك قائمة على أساس الخروج من مكان إلى آخر، إذ قد خرجوا من الكوفة إلى حروراء، لأن من شأن الدعاة والمصلحين أن يخرجوا من بلادهم عندما تستهين بهم أقوامهم دون أن تطلق عليهم هذه التسمية، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج من مكة إلى المدينة لظلم أهلها له، ولم تسم هجرته خروجاً. كما استبعد الأستاذ بلحاج الاحتمال الأول أيضاً، لأن الخروج لا يعد خروجاً دينياً يمرق صاحبه من الإسلام إلا بالردة الصريحة، والإباضية خاصة لم ينكروا ركناً من أركان الدين، ولم يستبيحوا دم مسلم ولا ماله ولا عرضه، ولم يستحلوا محرماً مما علمت حرمته من الدين بالضرورة، وعليه فلا تكون تسميتهم بالخوارج قائمة على أساس ديني، فهم لم يخرجوا عن الدين قولياً ولا عقائدياً ولا عملياً، بل إنهم وكما يسجل المؤرخون لهم أشد الناس تمسكاً بدينهم، وأكثر تطبيقاً لأحكامه، ثم لو كانت التسمية قائمة على أساس ديني لكان أول من يستحق هذا الاسم هم أهل الردة الذين ارتدوا بعد وفاة الرسول (صلى الله علية وسلم) وقاتلهم الصديق لذلك.

وعليه فلم يبق إلا الاحتمال الثاني أساساً للتسمية، وهو الخروج السياسي، فقد خرجوا عن إمام المسلمين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. والأستاذ بلحاج يرى أن تخصيص أهل النهروان أو المحكمه بهذه التسمية لهذا الاعتبار ظلم لهم لأمرين:

الأول: أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في واقع الأمر لم يكن إماماً بعد عزله في التحكيم والتزامه بنتيجته مسبقاً.

الثاني: أن أول من كان ينبغي أن تطلق عليهم هذه التسمية هم:

1 طلحة والزبير ومن معهما من المسلمين، وهم أول طائفة خرجت عن علي بن أبي طالب خروجاً علينا صريحاً، ولذلك قاتلهم في وقعة الجمل.

2 - معاوية بن أبي سفيان وأنصاره، وهم الطائفة التي حاربها علي بن أبي طالب في وقعة صفين.

أما وأنه لم يطلق على أي من الطائفتين اسم الخوارج، فإن في إطلاقه على طائفة المحكمة أو أهل النهروان تحكم، لا يقوم أساس سليم (4). وممن رجح المعنى السياسي سبباً للتسمية الأستاذ عدون جعلان في كتابه "الفكر السياسي عند الاباضية بل إنه يرى أنه لا غضاضة في هذه التسمية ما دامت مجرد اصطلاح لا يمس العقيدة حيث قال: (ولو حكمنا العقل للنظر في شأن الإباضية وما يناسبها من المدلولات السابق ذكرها، لقلنا: أما الخروج بالمدلول الديني فإن التاريخ لم يثبت للاباضية مروقاً ولا فسوقاً، فعقيدتهم وأصولهم ليس فيها ما يقدح وهي مدونة في أمهات الكتب فهم ليسوا خوارج إذن.

أما الخروج بالمدلول السياسي، فقد ثبت أن أهل النهروان فارقوا علياً، والإباضية منهم، وكان ذلك اجتهاداً منهم على أن البيعة قد سقطت عن أعناقهم بعد أن ظهر عجز الإمام وفقده للحنكة السياسية، وأصبح لا يتمتع بالأهلية والكفاءة، ورضي بالتحكيم وما ينجم عنه، وليس في هذا الخروج مساس بالعقيدة، على أن هذا الاطلاق مجرد تسيمة) (5). السبيل الثاني

محاولة اثبات أن استعمال لفظ الخوارج كمفهوم اصطلاحي كان بعد سنة أربع وستين بعام تقريباً، وهو تاريخ ظهور فرقة الأزارقة والنجدات والصفرية، وهي الفرق التي كان لها آراء ومعتقدات مرقت بها عن الدين، وبالتالي تكون هذه الفرق هي المقصودة حيث أطلق لفظ الخوارج. وممن سلك هذا السبيل وجهد في محاولة اثباته الأستاذ ناصر السابعي في كتابه "الخوارج والحقيقة الغائبة " فقد قال: (ويفتقر مصطلح الخوارج إلى إعطاء تاريخ يكشف عن بدء نشأته دون الالتفات إلى الفترة أو الجماعة التي أطلق عليها، وقد تتبعت كلاً من تاريخ الطبري وأنساب الإشراف للبلاذري، وهما أوسع ما ألف في هذا الموضوع، ابتداء من فترة التحكيم والأحداث المحيطة به إلى فترة وجود كيان للأزارقة الذين يمثلون القوة الفاعلة لمن سموا بالخوارج يومئذ، وهي فترة الصراع السياسي بينهم وبين عبد الله بن الزبير أولاً المبتدئ عام أربعة وستين من الهجرة، وبينهم وبين الأمويين ثانياً المبتدئ عام اثنين وسبعين من الهجرة، فلم أعثر فيما قبل عام خمسة وستين من الهجرة على هذا اللفظ إلا في نصين

للإمام علي في تاريخ الطبري، ونص لزياد بن أبيه في أنساب البلاذري) (6)

ثم ذهب الأستاذ السابعي إلى استعراض تلك النصوص ليقول بعدها بأن لفظ الخوارج قد استعمل في تلك النصوص التاريخية بالمعنى اللغوي دون أن يراد به اصطلاح خاص

151

150