الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٨٠

بفرقة أو جماعة معينة، ثم انتهى الأستاذ السابعي بعد ذلك إلى القول بأن النتيجة التي وصل إليها لا تتنافى مع ما ورد في رسالة عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان، من قوله: (وكتبت إلي تعرض على الخوارج وتزعم أنهم يغلون في دينهم ويفارقون أهل الإسلام … لأن هذه الرسالة حتما ليست قبل سنة سبع وستين للهجرة، وهي السنة التي بويع فيها لعبد الملك بن مروان بالخلافة، ولكن يصعب تحديد تاريخ هذه الرسالة، ولا يخفى أنها حول الفترة المترجح ظهور المصطلح فيها أو بعدها بقليل) (7).

هذا ولا يخفى على كل باحث ممحص أن هذه المحاولة من الأستاذ السابعي لم تكن

موفقة لأنه تعلق فيها بالقشور ولم ينظر إلى اللب، ويظهر ذلك من خلال أربعة أمور: الأول: أنه أوهم القارئ أولاً بأنه لم يعثر على لفظ " الخوارج" إلا في ثلاثة نصوص تاريخية في أشهر كتابين أرّخا لفترة الصراع، ثم جاء بعد ذلك على استحياء ليقول: (وهناك نصان آخران للإمام علي في غير هذين الكتابين، وهما: "لا تقاتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه " (8) وقوله في الرسالة المنسوبة إليه التي وجهها إلى ابن عباس: " فلعمري لئن كنت تعلم أني قتلت الخوارج ظلماً ومالأتني على قتلهم ورضيت على قتلهم ورضيت به. . ." (9)، وثمة نصان آخران اشتملا على هذا اللفظ منسوبان إلى غير الإمام علي، أحدهما الرسالة المنسوبة إلى ابن عباس الموجهة من قبله إلى علي، وفيها كلام أهل النهر لا بن عباس: "أفتعلم يا ابن عباس أن الخوارج خرجت عليه منتقمين في شيء من الجمل (10)، وثانيهما قول عبيد الله بن زياد في الكامل للمبرد: (ما أدري ما أصنع بهؤلاء الخوارج، كلما أمرت بقتل رجل منهم اغتالوا قاتله فلم يعلم بمكانه (11)) (12).

وكأن السابعي بهذا الأسلوب يشكك في صحة النصوص الأخرى التي ورد فيها لفظ

الخوارج، خاصة وأنها تتعارض في مضمونها مع الفكرة التي يسعى السابعي إلى إثباتها .. ومثل هذا الأسلوب الانتقائي يفتقر إلى المنهجية العلمية في التعامل مع النصوص، فهو لم يسلك أسلوب التحقيق العلمي ليقدم نصاً ويؤخر أخر.

الثاني: أن إدعاءه بأن استعمال لفظ الخوارج كمفهوم اصطلاحي كان بعد سنة خمس وستين للهجرة يتعارض مع قول الإمام علي في النص الذي أراد الأستاذ السابعي أن يغطي على مضمونه، وهو قوله: " لا تقاتلوا الخوارج بعدي"

فهو قول يؤكد أن لفظ الخوارج قد كان له عند الإمام علي مفهوم اصطلاحي سياسي، وهو الخروج على الحاكم، لكن الإمام علي كرم الله وجهه قد نهى عن قتل الخوارج بعده لأنه تبين له أن خروجهم كان بتأويل سائغ، فلم يكونوا كمن خرج بدون تأويل الثالث: أنه حاول أن يصرف النظر عن مضمون رسالة ابن اباض بالتركيز على تاريخ صدورها، ذلك أن قول ابن اباض في رسالته المشهوره يدل صراحة على أنه قد استخدم لفظ الخوارج بمفهومين: الأول: مفهوم سياسي، حيث قال عن الخوارج: "إنهم أصحاب عثمان ..... فارقوه حين أحدث وترك حكم الله، وفارقوه حين عصا ربه، وهم أصحاب علي بن أبي طالب حين حكم عمرو بن العاص وترك حكم الله، فأنكروا عليه وفارقوه" (13) المفهوم الثاني: ديني، حيث قال: " غير أنا نبرأ إلى الله من ابن الأزرق وأتباعه من الناس، لقد كانوا خرجوا حين خرجوا على الإسلام فيما ظهر لنا، ولكنهم ارتدوا عنه وكفروا بعد إيمانهم فنبراً إلى الله منهم (14). وبناء على هذا الذي قاله ابن إباض يمكن القول بأن الاباضية خوارج بالمفهوم السياسي لا بالمفهوم الديني، أما الأزراقة فخوارج بالمفهومين السياسي والديني. الرابع: أنه حاول ربط استخدام لفظ خوارج بالمعنى الاصطلاحي بظهور الأزارقة ليقول بأنه يصدق على الأزارقة دون الاباضية، وقد غاب عنه أن تاريخ ظهور فرقة الأزارقة هو نفسه تاريخ ظهور فرقة الاباضية، فقبل سنة أربع وستين للهجرة لم يكن هنالك ما يسمى بالا باضية أو الأزارقة، لأنهم كانوا قد عُرفوا قبل هذا التاريخ باسم فرقة المحكمة بحسب اصطلاحهم، وبالخوارج بحسب اصطلاح مخالفيهم.

السبيل الثالث: قصر المعنى الاصطلاحي للفظ الخوارج على المفهوم الديني، ليكون منطبقاً على بعض فرق المحكمه وهم الأزارقة والنجدات والصفرية، دون بعضها الآخر وهم الاباضية، وهو السبيل الذي سلكه أكثر المحدثين من الاباضية، حيث نجدهم ينفون تهمة الخروج عن الاباضية ويثبتونها للأزارقة ومن وافقهم، مظهرين نقاط الاختلاف في المعتقد والسلوك بين فرقتهم وفرقة الأزارقة (15)، ومن هؤلاء د/ صالح الصوافي في كتابه "الإمام جابر بن زيد وأثره في الدعوة" فقد جاء فيه: (سمّي الخوارج بهذا الاسم بسب خروجهم من الكوفة عن الدين أو مروقاً عن الجادة أو الأمة. غير أنه من الثابت بعد ذلك افتراق أمر هؤلاء الخوارج، لأنه بعد واقعة النهروان عمد البعض منهم إلى سلوك طريق لا

153

152