الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٨

تمهيد في كيفية نشوء المذاهب الفقهية

إن الدارس لحركة التشريع الإسلامي يصعب عليه أن يجد تاريخاً محدداً باليوم والشهر والسنة لنشوء مذهب من المذاهب الفقهية، لأن تكونها كان تكوناً تدريجياً حسب تجدد الحوادث التي كانت تعرض على المجتهدين لاستنباط أحكام لها، وبطبيعة الحال لم يكن ذلك في زمن واحد لأن الوقائع التي استجدت في الحياة لم يجمع بعضها إلى بعض لتعرض في وقت واحد على المجتهدين، ثم إن الأحكام التي كان يستنبطها المجتهدون لحوادث أزمنتهم لم يكن غرضهم منها إنشاء مذاهب فقهية، وإنما كان غرضهم أن يوجهوا الناس بما أوتوا من جهد وقوة إلى الفهم الصحيح إلى مقاصد الشريعة والعمل وفق أحكامها، فوثق الناس بهم وبعملهم، والتف حول كل واحد منهم مجموعة من التلاميذ، أعجبوا بدروسه وآرائه، واقتنعوا بحجته، واعتقدوا سلامة الأصول التي يبني عليها أحكامه، فاتجهوا اتجاهه في الفهم والاستنباط واستعملوا أدلته وبراهينه، وعملوا على نشر

ذلك عنه (1)

وبهذه الطريقة أصبح لبعض أولئك المجتهدين ما يمكن أن يسمى بمدرسة فقهية متميزة عن غيرها في الآراء والأصول، وقد أطلق على تلك المدرسة اسم مذهب، ثم نُسب المذهب إلى المعلم الأول الذي كان له التأثير الأكبر في تكوينه.

نسبة المذهب الإباضي

لا يختلف المذهب الاباضي في نشأته عن الكيفية السابقة، إلا أنه ينسب إلى غير معمله الأول، وإذا أردنا أن نؤرخ لنشأة المذاهب بنسبتها إلى المعلمين الأوائل فيها فإن المذهب الإباضي يكون من أولها نشأة وتأسيساً، لأن إمامه هو التابعي الكبير أبو الشعثاء جابر بن زيد الذي عاش ما بين سنتي (9621) للهجرة النبوية (2)، بينما عاش الإمام أبو حنيفة صاحب المذهب الحنفي، أسبق المذاهب السنية ما بين سنتي (80 - 150) للهجرة، وعاش الإمام جعفر الصادق صاحب المذهب الجعفري ما بين سنتي (80 - 148) للهجرة، وعاش الإمام زيد بن علي زين العابدين صاحب المذهب الزيدي ما بين سنتي (80 - 122) للهجرة، والقياس كان يقتضي أن يسمى أتباع الإمام جابر بن زيد بالجابرية، كما سمي أتباع الإمام أبي حنيفة بالحنفية، وأتباع الإمام جعفر بالجعفرية وهكذا، لكنهم سموا بدلاً من ذلك بالإباضية نسبة إلى عبد الله بن إباض (ت 86 هـ) أحد علمائهم، لظروف وأسباب سنبينها عند الحديث عن صلة الإباضية بالخوارج

وإمامة جابر بن زيد للفقه الإباضي باتت من المسلمات في المذهب، فإن كل المراجع الإباضية أجمعت على أنه كان المؤسس الفعلي والحقيقي للمذهب الإباضي، ولا نكاد نقرأ

11