الإباضية مذهب لا دين
الجزء ١ · صفحة ٨١يتفق مع الأصول الصحيحة للشريعة الغراء، وأحدثوا في الإسلام حدثاً كبيراً بما استحلوا من استعراض المسلمين بالسيف، وتكفير أهل القبلة الذين لا يذهبون مذهبهم، وتفرق هؤلاء الخارجون إلى فرق عديدة كان منها الأزارقة والصفرية والنجدات، وهؤلاء هم الذين أصبحوا يعرفون بالخوارج، ويعني وصفهم بذلك أنهم خارجوا عن الدين ومارقون بما استحلوا من المحرمات وما خالفوا فيه من الأحكام الصحيحة للإسلام.
أما الاباضية وهم الذين عرفوا بجماعة المسلمين أهل الحق والاستقامة فهم لا يرون رأي هؤلاء الخوارج، بل يرونهم مارقين خارجين عن الدين ..... وعلى ذلك فالخوارج بهذا المعنى هم غير الإباضية ولا يمكن اعتبار الاباضية إحدى فرقهم) (16). وهنا أيضاً كما في السبيل الثاني فإن من سلك هذا السبيل لم يكن موفقاً لجمعه بين النقيضين، ويعجبني في هذا المقام ما ذهب إليه الأستاذ عمر بن الحاج في كتابه "دراسة في الفكر الاباضي؛ حيث قال: ( .. فالا باضية يرفضون أن يكونوا من الخوارج فيرون أن تصنيفهم من جملة الخوارج هو من صناعة الدولة الأموية، إلا أني مع تفهمي لموقفهم أرى أنه ليس من المستقيم جمع قولين متناقضين، فكون الاباضية يعترفون أن المحكمة الاباضية معناه: أنهم تاريخياً يربطون أنفسهم بأس أساس الخوارج، فأهل النهروان كما هو معلوم، بذور الخوارج ونواتها، وأنا لا أعلم كيف يتبرؤون من الخوارج في حين أنهم ينسبون أنفسهم إلى أصل أصول الخوارج.
هم
سلف
وإذا كانت الأزارقة والصفرية والنجدية كفروع لا تنتمي إلى المحكمة كأصول فإلى أين ينتسبون؟ فهل كان هنالك خوارج قبل خروج المحكمة من صف الإمام علي؟ والحق أنه لمن الصعب على الاباضية أن ينفوا أنهم ليسوا بخوارج في حين أنهم يثبتون أن المحكمة هم أصل الاباضية، فالمرء يكاد يفهم من قولهم ذاك، أنهم أكثر خارجية من الأزارقة والنجدية والصفرية أنفسهم، اللهم إلا إذا كان شافعهم هو أن قصدهم هو أن المحكمة ما كانوا خوارج بالمفهوم المتطرف الذي عرف به الخوارج الغلاة فيما بعد، وهو قصد مقبول إن كان. المقصود) (17).
هو
وما ذهب إليه الأستاذ عمر يعد في الواقع نظرة متوازنة للموضوع، فهو جمع بين ما ذهب إليه المؤرخون من نسبة الاباضية إلى الخوارج وبين ما ينفيه الاباضية عن أنفسهم من تهمة
الخروج حيث أثبت لهم وصف الخروج بالمفهوم السياسي ونفاه عنهم بالمفهوم الديني. وهنالك باحث آخر من غير الاباضية نظر أيضاً إلى مسألة مكانة الاباضية من الخوارج نظرة متوازنة، وهو الأستاذ رفعت فوزي في كتابة الخلافة والخوارج في المغرب العربي"
حيث اعتبر أن الخلاف فيها مجرد خلاف في المصطلح، ولا مشاحة في الاصطلاح فقد قال: (والحق أن المبادئ التي أخذ بها الاباضية أكثر اعتدالاً مما أخذت به فرق الخوارج الأخرى، لكننا أمام جمهور من المؤرخين يعتبرهم من الخوارج، وفي الوقت نفسه يذكر لهم اعتدالهم عن غيرهم … .وفي رأينا أن الاختلاف بين جمهور المؤرخين والاباضية إنما هو اختلاف في الاصطلاح فقط، خاصة وأن ما يردده الاباضية من مبادئ لا ينكره المؤرخون الذين تعرضوا لهذه المبادئ، ولا يبخسون لهم حقاً في هذا المجال، ولا مشاحة في الاصطلاح ما دام المقصود مفهوماً، والتمييز بين المعتدل منهم والمغالي موضحاً) (18). ومع وجاهة ما ذهب إليه الأستاذ رفعت فوزي إلا أنه لم يحظ بقبول من بعض الاباضية، فهذا الأستاذ أحمد مهني مصلح يعقب على ما قاله الأستاذ رفعت فوزي بقوله: (وليس الأمر كما هونه رفعت فوزي، حيث اعتبر القضية اختلافاً في المصطلح ولا مشاحة في الاصطلاح) (19). بل نجده في موضع آخر يصرح برفض فكرة المقاربة بين الأباضية والخوارج حيث يقول: (إن الإصرار على حشر الاباضية في زمرة الخوارج رغم المفاصلة التامة في المبادئ يؤكد على عدم تكليف النفس مؤونة البحث عن الحق وفضيلة الرجوع إليه كما يبين تبعيّة المحدثين لما سطّره القدامى، فلا يوجد من علماء المذاهب من يقول عن الاباضية إلا أنهم من الخوارج، أو هم خوارج أو أقرب الخوارج إلى الحق، ولم يزالوا يتداولون هذا التعبير في كتبهم الفقيهة والتاريخية مع أن الواقع يشهد أن الاباضية لا تجمعهم بالخوارج جامعة ولا يمتون إليهم يصلة إلا إنكار التحكيم، إن إضافة الاباضية إلى الخوارج إضافة طعن وقدح أطلقها الفساق من الأمراء لتنفير الناس عن الاباضية رائدة إنكار الباطل، والتي لا تتولى الجورة وتردّ على الظلمة بحدة حتى وصمها أعداؤها بالغلو والتشدد) (20). وهكذا نلاحظ كيف أن المتأخرين من الاباضية يرفضون القول بأنهم إحدى فرق الخوارج، بل لا يرضون عن المقاربة بينهم وبين الخوارج، ولو اتفقوا معهم في بعض الآراء، لأنه من وجهة نظرهم اتفاق الفرق في بعض الآراء لا يعني أن مصدرها واحد، يقول سماحة الشيخ أحمد الخليلي مفتي سلطنة عُمان: (لا) يعني تقارب المذاهب أن مصدرها واحد، فالاباضية يتفقون مع الخوارج في بعض الآراء، ويتفقون مع الأشاعرة - من أهل السنة في بعض الآراء، ويتفقون مع المعتزلة في بعض الآراء، هل يقال إنهم معتزلة أو أشاعرة أو غيرهم لمجرد اتفاق الآراء ....... ؟ أو هل يقال إن تقارب آراء المعتزلة بأراء الشيعة، يجعلهم من الشيعة، أو تقارب بعض آراء الشيعة بآراء المعتزلة يثبت أن الشيعة |
من المعتزلة) (21)
155
154