الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٨٦

وأنا هنا على يقين تام بأن إجابة الاباضية على هذه الأسئلة ستكون بالنفي المطلق. وعندها نقول لهم ما دام ذلك كذلك، فلماذا تعرفون مذهبكم بمثل هذه العبارات، ولماذا تحرصون على نشر هذا الكتاب وتوزيعه مجاناً؟ ثم ألا يدل مثل هذا التعريف على التعصب المذهبي المقيت وعلى تقديسه وتنزيهه عن أي خطأ؟

،

ثانياً: في كتاب الباب "الآثار"، طبع وزارة التراث القومي بسلطنة عُمان، وهو تأليف مهنا بن خلفان البوسعيدي، أحد علماء عُمان في القرن الثاني عشر الهجري، جاء ما يلي: (فلا تك مرية من الدين الاباضي، لأنه الحق العلي، وإنه هو الدين القويم والصراط المستقيم، لا نرضي به بدلا، ولا نبغي عنه حولاً، ولو وجدنا أهدى منه إلى الهدى سبيلاً وأقوم في الحق قيلاً لما رضيناه كثيراً ولا قليلاً، ولرجعنا إلى ذلك الدين الحق فاتبعناه من حين ما علمناه، ولكن أبى الله أن يكون الحق في غير المذهب الاباضي، كلاً بل هو الطاهر الزكي، دلت على ذلك الدلائل الظاهرة، وشهدت له البراهين القاهرة، فظهر على الدين كله ولو كره المشركون، وجحده فأنكره الجاهلون، وهذا أمر بين لا لبس فيه كالشمس في كبد السماء في يوم لا غيم فيه، لا يكاد يخفى إلا على من كان في الدنيا أعمى، ومن كان في هذا أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً) (7).

ولا أدري هنا على أي آية قرآنية أو حديث نبوي اعتمد الشيخ "مهنا" في دعواه أن الله عز وجل قد حصر الحق في المذهب الاباضي، ألا يعلم هذا الشيخ وكذلك من قام على طباعة هذا الكتاب ونشره، أن الشريعة الإسلامية حقيقة هي مجموع ما في المذاهب الاجتهادية، لا في مذهب واحد، وأن الله عز وجل لم يوجب على أحد من أمة الإسلام التزام مذهب معين بخصوصة لعدم عصمته، ثم أين هذا الادعاء الذي ادعاه الشيخ مما دعا إليه الأئمة أصحاب المذاهب من عدم اتباعهم، ولسان حالهم كان يقول: إذا بلغكم حديث فاعملوا به واضربوا بكلامنا عرض الحائط

ثالثا: جاء في كتاب العقود الفضية في أصول الاباضية، تأليف سالم الحارثي: (قال العلامة أبو الحسن علي بن محمد البسياني من علماء القرن الرابع بعمان: فحصت الأديان ظهراً وباطناً فلم أجد ديناً أصفى من ديننا ولو علمنا غيره خيراً منه لما سمحنا لجهنم بأنفسنا، فعلينا في عصرنا وبعد زماننا أن نعتصم بحبل الله القرآن، وما نقلته إلينا علماؤنا الله، فهم الصادقون، فقد صدقناهم، وقبلنا منهم، وتوكلنا على الله في تصديقنا، وقال النبي (صلى الله عليه وسلم): "لا تجتمع أمتي على خطأ"، فخصن بقوله، أهل هذه الشريعة، وهم الشهداء على كل مذهب، لأنا رأينا الزاني والسارق وشارب الخمر والظالم في

رحمهم

جميع

المذاهب يسمون مؤمنين، ورأيت هذا المذهب لا يفعل من هذه الأفعال القذرة قليلاً ولا كثيراً، ورأينا مذهبنا منزهاً عن القاذورات، فعلمنا أنه هو الدين الذي لا يرضى الله إلا به، لأنه مذهب منزه صريح صحيح واضح من طريق الشريعة، لا من طريق اللغة) (8). ولا يخفى على القارئ الكريم أن المراد بالدين في قول أبي الحسن السيابي، هو المذهب الاباضي وقد وصفه بالصفاء والصدق والصحة والوضوح والنزاهة عن القاذورات، وأنه المذهب الذي لا يرضى الله إلا به، ووصف أتباعه بأنهم الشهداء على كل مذهب، وأنهم لا يزنون ولا يسرقون ولا يشربون الخمر

هو

ولا أدري هنا أيضاً هل غاب عن أبي الحسن السيابي صاحب القول وغاب عن سالم الحارثي ناقل هذا القول، قول الله عز وجل: فلا تزكوا أنفسكم) (9)، وإذا غاب عنهما ذلك، فكيف يغيب عنهما ذكر النص الشرعي الذي يدل على أن المذهب الاباضي المذهب المرضي عند الله تعالى دون غيره؟ وأن أتباع هذا المذهب معصومون منزهون عن كل نقيصة، وأنهم الشهداء على أتباع مذهب أبي حنيفة، أو أتباع مذهب الإمام جعفر الصادق، أو أن يذكروا لنا الدليل الشرعي الذي يدل على أن المراد بأمة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) في الحديث الشريف، هم فرقة الاباضية دون غيرها من أمة الإسلام. ولا أقصد بكلامي هنا الازدراء بالمذهب أو الانتقاص من شأنه، وإنما الذي أقصده هو كيف تصل الجرأة بهذين الشخصين وبغيرهما من متعصبي المذهب إلى حد تفسير كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم بما يحلوا لهم، أليس هذا من قبيل الافتراء أو التعصب المذهبي المقيت؟!. رابعاً: جاء في كتاب "إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء" تأليف الشيخ سالم بن حمود السيابي السمائلي: (ولا شك أن الإسلام والإيمان بمعناهما لم يبقيا في مذهب ما على أصولهما الصحيحة إلا في مذهب الاباضية، لأن الاباضية لا يزالون يصارعون الزعامات التي تكون مخالفة للحق ومناوئة للعدل، فإن الملوك أتباع شهواتهم غالباً، بل وربما كانوا ضد أعدائهم الذين يقولون بقولهم ولا يميلون ميلهم، وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها؟ ذلك أن الذين يقدسون الملوك ولا يرون الخروج عليهم هم أفسدوا الدين وفرقوا شمله بخلاف علماء الاباضية الذين يقومون لصراع الملوك بقصد حملهم على المنهج الشرعي الذي أوجب الله المسير عليه فيرتكبون الأخطار بنصب الأئمة فيقاتلونهم حتى يردوهم إلى الحق، وهذا تاريخهم شاهد بذلك في جميع بلاد الاباضية) (10). ولا أدري هنا هل غاب عن الشيخ السمائلي أن وصف علماء الشريعة من غير الاباضية بالإفساد والسوء،

170

164