الإباضية مذهب لا دين: دراسة تحليلية نقدية لنشأة الإباضية ولموقفهم من التعصب المذهبي هاني سليمان الطعيمات

الإباضية مذهب لا دين

الجزء ١ · صفحة ٨٧

وتشبيههم بالأحبار والرهبان الذين اتخذهم الناس أرباباً من دون الله، هو من قبيل الغيبة المحرمة شرعاً؟ أم هل غاب عنه أن لحم العلماء مسموم؟ فلا يجوز أن تلوكه أشداق المتشدقين وقد قال تعالى: (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه) (11)

والآن أعتقد بأن هذه النصوص الأربعة كافية في الكشف عن حقيقة نظرة الاباضية إلى مذهبهم، وتقديسهم له، واحتقار ما عداه، ورب قائل يقول: إن ما هو موجود في كتب المخالفين من أوصاف أطلقت على الاباضية ومذهبهم هو أشد وأنكى مما ذكره هؤلاء الاباضية عن مذاهب مخالفيهم، أقول: نعم، قد يكون ذلك، ولكن ما دمنا ندعي أننا على الحق والاستقامة وأننا المرضيون عند الله تعالى، فإنه يعاب علينا أن ننهي عن خلق ونأتي مثله، وقد قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا

تفعلون) (12).

وقال: ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) (13). وأيضاً رب قائل يقول: إن مؤلفات الاباضية مليئة بالعبارات الدالة على عدم التعصب المذهبي، وعلى أن الاباضية يأخذون بالحق حيث كان سواء ورد في أقوال علمائهم وأئمتهم أو في أقوال غيرهم.

أقول نعم، إن هذا موجود فهنالك من معاصري الاباضية من دعا إلى عدم التعصب المذهبي، ولعل من أكثرهم حماساً لهذه الدعوة الأستاذين علي يحيي معمر ومحمد الشيخ بلحاج، أما الأستاذ علي معمر فقد دعا كثيراً في كتابه " الاباضية بين الفرق الإسلامية" إلى عدم التعصب المذهبي، ومن ذلك قوله تحت عنوان مفاهيم يجب أن تختفي: (وعلى المؤسسات العلمية اليوم أن تحمل هذا المبدأ لتعود بالمسلمين إلى منهج الإسلام والأفضل من ذلك أن تلغي هذه التسميات كلها، لا سنية ولا مبتدعة ولا شيعة ولا خوارج ولا مالكية ولا إباضية، وإنما هم مسلمون يتفاضلون بالتقوى والعمل الصالح، وكم يكون رائعاً حين يقف المدرس والواعظ والمحاضر فلا يحتج إلا بقول الله أو قول رسوله فإذا احتاج إلى كلام الناس استشهد بكلام عالم من العلماء مقتصراً على ذكر اسمه وامتنع كل الامتناع أن يجري على لسانه اسم المذهب أو الفرقة أو الطائفة فانمحت من المجتمعات الإسلامية الالقاب المطلقة على مجموعات الفرق كالشيعة والسنة والخوارج والمعتزلة واختفت منه أسماء الفرق فلم يبق ذكر للحنيفة أو المالكية أو الاباضية أو الزيدية أو غيرها وإنما كل ما يبقى أسماء علماء ضمن كشف طويل يشتمل على من خدم الشريعة الإسلامية منذ البعثة إلى قيام الساعة) (14).

ولكن من يستعرض مؤلفات الأستاذ معمر يجده يتبنى بل ويدافع عن الأصول التي قام عليها مذهبه والآراء التي جاء بها سواء كانت في العقيدة أم في السياسة، ومن ذلك دفاعه عن أهل النهروان، وتخطئة سيدنا علي في قبوله التحكيم واعتبار أن إمامته بعد التحكيم باطلة وأن الخليفة الحق هو عبد الله بن وهب الراسبي، فقد قال: (فالشيعة الذين يحيطون بعلي وهم يكافحون لكي يبنوا دولة، يخشون أن يتصل أهل النهروان بالناس، وأن يقنعوهم بما لديهم من حجة وبرهان، إن قبول التحكيم خطأ في السياسة، وإن خلافة علي بعد التحكيم والعزل باطلة، وإن البيعة ساقطة عن الأعناق، وإن الخليفة الحق هو عبد الله بن وهب الراسبي الذي بايعه جمهور غير قليل من المسلمين) (15). هذا ثم إن من يدقق النظر فيما دعا إليه الأستاذ معمر من عدم التعصب يظهر له بوضوح أن هدفه من دعوته تلك، هو عدم التعصب ضد المذهب الاباضي، وذلك بقبوله كمذهب من مذاهب أهل السنة والجماعة، والتعامل معه على هذا الأساس (16)، فقد قال: (إن جميع المسلمين الذين يرجعون في ديانتهم إلى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة هم من أهل السنة من أية فرقة كانوا ولأي مذهب اتبعوا) (17)، وقال أيضاً: (ومن التحكم المخالف للمنطق والعقل وطبيعة الحياة أن نأتي إلى رجل من الزيدية - مثلاً - قد درس الإسلام على مذهبه، وحافظ عليه محافظة المؤمن التقي الذي يخشى الله بالغيب، فنقول له أنت مبتدع، ولا يمكن أن تكون من أهل السنة إلا إذا درست مذهب ابن حنبل وعرفت الإسلام على طريقه، وأعلنت أنك من أتباعه) (18). أي ومن التحكم أيضاً أن يقال مثل ذلك للاباضي.

وأما الأستاذ محمد بلحاج فقد دعا في أكثر من موطن من كتابه "وإن هذه أمتكم أمة واحدة على الحق والاستقامة" إلى عدم التعصب المذهبي من ذلك قوله: (وهل يعتبر تصنيف الناس إلى إباضية وأحناف ومالكية وشافعية وحنابلة ووهابية وشيعية وظاهرية؟ هل يعتبر هذا التصنيف اختلافاً من شأنه أن يؤدي إلى تقاطع المسلمين فيما بينهم وتدابرهم عن بعضهم وتنابزهم فيما بينهم ويؤدي إلى فتن وحروب دموية مبيدة؟ كلا والله ...... إن هذه الأسماء التي اصطلح على إطلاقها على أصناف المسلمين وطوائفهم ما أنزل الله بها من سلطان، وإن هي إلا اسماء سميتموها أنتم وآباؤكم! .. وقد ثبت عن جميع أئمة

المذاهب قولهم .. صريحاً أو ضمناً: إنه إذا صح الحديث فهو مذهبي) (19).

ولكن من يستعرض كتاب الأستاذ بلحاج يجده قد جاء للتعريف بالمذهب الاباضي والانتصار له، فقد قال في بداية الكتاب: فما هو هذا المذهب، وما منشأه

......

167

!