الإباضية مذهب لا دين
الجزء ١ · صفحة ٨٨وهل يجوز أو يجب على أتباعه التشبث به، والتمسك بما فيه من حق وصواب أم ينبغي أو يجوز التخلي عنه لغيره، وما هي مقاييس تفاضل المذاهب) (20)
(21) (.
نقدم هذه النبذة وقد بدأ الأستاذ بلحاج كلامه في تعريفه بالمذهب بقوله: ( .. عن مذهب أهل الاستقامة: المذهب الاباضي، الأصيل النظيف من الخرافات الجاهلية والافتراءات المغرضة عبر التاريخ وواضح من هذا الكلام أن فيه مديحاً للمذهب، وفيه أيضاً تعريض بالمذاهب الأخرى الأمر الذي يتنافى مع الدعوة التي أطلقها في أكثر من موطن من كتابه، إذ الأصل في المؤلف أن يبتعد عن العواطف والانفعالات النفسية وهو بصدد التعريف العلمي بمذهب من المذاهب الإسلامية
ثم أخذ الأستاذ بلحاج يشرح الأصول التي قام عليها المذهب في العقيدة والسياسة والاجتهاد وانتهى به المطاف إلى إعادة طرح السؤال الذي طرحه في بداية الكتاب ولكن بأسلوب آخر حيث قال: (وإلى هنا ننتهي إلى نهاية المطاف فيتساءل سائل، أو نطرح هذا السؤال الذي يطرح نفسه بنفسه، أي هذه المذاهب أوفق للحق وأصح عند الله ورسوله؟ وأي الأئمة أحق بالاتباع؟ فالجواب والله أعلم: أنه لو قدر أن يبعث كل إمام من أولئك الأئمة الكرام الأفاضل عند الله ورسوله وعند المؤمنين، وسئل كل واحد منهم عن إمامته للناس واتباع الناس له، لما رضي لنفسه تلك الصفحة أو تلك المرتبة أن يكون إماماً متبعاً، ولتبرأ من اتباع الناس له ولما وسعه إلا أن يرشد الناس أتباعه وغيرهم إلى اتباع الرسول واعتباره
إماماً) (22).
هذا كلام جميل يدل ظاهراً على تحرر قائله من النزعة المذهبية، أقول ظاهراً، لأن قائله بعد ذلك بصفحات عاد إلى تحكيم عواطفه تجاه مذهبه فظهرت عليه النزعة المذهبية، بل تقديس المذهب الاباضي وتفضيله على غيره من المذاهب حيث قال: (على هؤلاء العوام المقلدين أن يتخيروا من يقلدونه من العلماء، وأولي الأمر منهم، ومقاييس الاختيار بين العلماء الذين يجوز وينبغي أو يجب تقليدهم أمران:
أولاً: الإيمان الصحيح الراسخ ...... ثانياً: الرسوخ في العلم والتضلع فيه
فمهما توفر هذان الشرطان في عالم جاز للعوام تقليده، ومهما كان عالم أكثر اتصافاً بهما كان أحق من غيره بالإمامه واتباع الناس له، بناء على ذلك فقد سجل كل الذين
تشبثا
كتبوا عن الإباضية منهم أو من غيرهم أنهم أشد الناس تمسكاً بالعقيدة وأشد الناس بدينهم عقيدة وقولاً وعملاً .. وبذلك تحقق في الإباضية الشرط الأول الذي يؤهلهم للإمامة واتباع الناس لهم، ولا أعني أنهم اختصوا بذلك دون سائر المذاهب، وإنما هم أشد .. كل ذلك ما تثبته وأكثر اتصافاً بذلك، أما عن الشرط الثاني: الرسوخ في العلم الموسوعات العلمية النادرة المثال سبق ذكر نبذه منها.
بناء على كل ما سبق يتبين لنا أن من استمسك بهذا المذهب واتبعه وقلد أئمته فنرجوا ...... أما التحول من مذهب إلى آخر أن يكون قد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها. أو ترك المذاهب كلها كما ينادي البعض بمهذب اللامذهبية في الإسلام فذلك مالا نجيزه للعوام البسطاء ولا للمثقفين المبتدئين في العلوم الشرعية حاليا مهما كانت رتبهم في الاختصاصات الأخرى .. فإذا كنت أخي المسلم تعتقد ويجب أن تعتقد أن ما أنت عليه أنت وآباؤك وأجدادك وسلفك إلى غاية إمام مذهبك ثم منه إلى الصحابة رضي الله عنهم عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) عن جبريل عليه السلام عن اللوح المحفوظ عن قلم القدرة عن رب العزة جل جلاله، وأنه الحق المبين، فماذا بعد الحق إلا الضلال، وماذا بعد الصواب إلا الخطأ، وماذا بعد الهداية إلا الغواية، وعليه فلا يجوز شرعاً ولا عقلاً أن يتحول من الحق إلى الباطل ولا من الصواب إلى الخطأ ...... ) (23) وهكذا يبدو واضحاً جلياً لكل منصف مدى التناقض الذي وقع فيه الأستاذ بلحاج ومدى تقديسه لمذهبه حتى أوجب على أتباع مذهبه أن يعتقدوا أن مذهبهم هو الصواب والحق وما عداه هو الضلال وأيضاً من معاصري الاباضية الذين دعوا إلى نبذ التعصب المذهبي ظاهراً، سماحة الشيخ أحمد الخليلي مفتي سلطنة عُمان والذي وضع كتاباً بعنوان "نبذ التعصب المذهبي" وقد سبق أن أشرنا إلي بعض الاراء الواردة فيه. وفي الحقيقة ليس في هذا الكتاب من نبذ للتعصب سوى اسمه، لأنه جاء لدحض بعض الشبهات التي تثار حول الاباضية وخلال ذلك حدد سماحة الشيخ موقف الاباضية من بعض مسائل الخلاف، وهو الثبات على آرائهم فيها، ودعوة الناس إلى دراسة هذه الآراء لأنها الصواب، فقد قال: (فأي تحد أعظم من هذا التحدي الذي جاء به الشيخ = يقصد الشيخ عبد العزيز بن باز حيث يريد أن
يكرهنا بأن ننزل عما نعتقده أنه الحق لما رأينا، أدلة الكتاب والسنة دالة عليه بينما نحن ندعوه إلى التحاكم إلى الدليل وإلى الحجة، فهذا انصاف واضح، وإنما نحن نطالب جميع الناس إما أن يدرسوا المذهب الإباضي باتقان وأن يدرسوه بتجرد، بحيث لا
169
168