الشيخ القرادي الحاج أيوب إبراهيم بن يحيى 1923-1989م: رسالة في بعض أعراف وعادات وادي مزاب يحيى بن بهون حاج امحمد

الشيخ القرادي

الجزء ١ · صفحة ١٣

قبل الإباضية، وأنهم تحدُّوا الطبيعة واختاروا هذه الشبكة القاسية ليطمئِنُّوا وليكونوا بعيدين عن غارات الطامعين.

إن لكل من النظريتين أنصار ولكنهما تحتاجان إلى بحث عميق حتى يمكن لنا أن نرجح ونطمئن إلى آرائنا فيها.

ويمكننا أن نجمع بين النظريتين بأن نقول مثلا: إن المنطقة كانت مأهولة بالقرى المتناثرة هناك، وهنا، فلما وفد الإباضية بعد هزيمتهم في وارجلان ووادي أريغ آواهم بنو عمومتهم ولكنهم أسسوا القرى الموجودة الآن على كيفيات منظمة، وأعجب السابقون بهذه التنظيمات التي لابد أن تكون أعرق في الحضارة والعمران وأصبحوا ينتقلون إلى القرى الجديدة فأخلاها السكان وسكنوا القرى الجديدة، وبهذا نستطيع أن نحترم نظرية القائلين بعمران ميزاب قبل وجود الإباضية فيه والقائلين أن هذه القرى الموجودة الآن أسسها الإباضية لأن معمارها وأنظمتها لا يمكن أن تكون بدائية و لا دخل للمصادفة في كل ما نراه من بناءات. أسماء القُرى وتعريبها

إن نظرة بسيطة على أسماء القرى قد تبعث فينا حيرة ودهشة وهي: لماذا تسمى غرداية: اسم عربي وسكانها بربر؟! لماذا لا تسمى غرداية "تَغَرْدَايت" كما يسميها سكانها وكل الميزابيين؟!، وهو سؤال يمكن أن يطرح لكل قرية من القرى الأخرى، والجواب كما نرى يتخلص في نقطتين هو أن المزابيين لا توجد بينهم وبين اللغة العربية أي فجوة فهم معتزون بها ويتعاملون بها ويؤلفون، لأنهم يعتبرونها لغة الإسلام الرسمية فهي جزء من كيانهم مثل الدين الإسلامي الحنيف، فهم في كتاباتهم القديمة كانوا يعربون هذه الأسماء، وإن كانوا في الاستعمال البربري يذكرونها بالبربرية، ولذلك لم يحاولوا يوم وقع احتلال ميزاب أن يتعصبوا للأسماء البربرية و لم يعيروا لهذه القضية أي اهتمام ثم إن تهربهم من العمل كموظفين بجيش

الاحتلال قد ترك الفراغ لغيرهم من جهة أخرى، وإن كانت هذه التصرفات لم تضرنا كثيرا مثل ما أضرَّ بنا اتصال الفرنسيين هؤلاء الناس، فكانت هذه المجموعة من التشويهات التي تحوم حول أسماء القرى كالقصة التي اختلقها الفرنسيون حول غار دَايَة وأنها امرأة كانت تسكن هذا الغار وأن رجلا عابرا مر بها وتزوجته .. إلى آخر الحكاية المفضوحة المختلقة، فهذا الغار يسمى لاله سَاهْلَه" فلماذا يُعطى له اسم "داية"؟! ولماذا تبقى في جبل وحدها والمنطقة تكاد الحياة تكون فيها مستحيلة؟!! ثم إن الأسطورة تقول أنها عجوز فكيف يمكن أن تلد؟!!! ثم إن المفروض أن اسم غرداية يكون للقرية القديمة فكيف يوجد الغار في القرية القديمة والفرنسيون يسمون في كتاباتهم قرية الضاية (daia) باسم هذه المرأة، فيكتبونما daia ben dahoua إلى غير ذلك من المتناقضات التي يُلفقونها، ومن الغريب حقا أن هذه الأسطورة أخذت تستقر في أذهان الكثيرين ويأخذونها بدون بحث ولا تروي، وقُل مثل ذلك عن مليكة ويترجمون لها (reine) مع أنه لا وجود لأي ملك ولا ملكة!!، ثم لماذا يكتبونها مليكه ولا يكتبونها مَلِكَة إذا كانوا يقصدون مؤنث الملك، إلى غير ذلك من الخزعبلات، وقل مثل ذلك عن بني يسفن إذ يقولون: ابْنِ وَاسْكَن!! وبُونُورَه مأخوذة من النور la lumineuse. الخلاصة أن تعريب الأسماء كان عفويا قبل الفرنسيين وفي أول استقرارهم، ولكن التفسيرات التي ابتكرها الكتاب الفرنسيون أو أخذوها من المخازنية (1) الجهلة هي التي شوهت الحقائق واختلقت أشياء من قبيل الأساطير، وهذا الاختلاق مقصود ومبيت وهادف، ولو ذهبنا تعدد الطعنات التي سددها الكتاب الأجانب لتاريخنا لكتبنا كتابا مستقلا في هذا الموضوع ولعلنا سنعقد فصلا لهذا الموضوع

ا - هو: لمخازني، أمين مكتب أو كاتب بأجرة عند الفرنسيين.

27

26

26