الشيخ القرادي
الجزء ١ · صفحة ١٧انقراض الدولة الرستمية واستحالة إعادة الدولة في وارجلان رغم ازدهارها نزح الإباضية إلى بني عمومتهم في وادي ميزاب وكوَّنوا النظم الاجتماعية التي حفظت كيانهم إلى اليوم بعد أن تحصنوا في هذه القرى تساعدهم الطبيعة القاسية وشطف العيش والجبال الصحراوية القاحلة على حفظ كيانهم وكل هذه الآراء لا تتعارض ويمكن الجمع بينها فهي لم تحدد لنا تاريخنا وليس لنا على وجه التحديد إلا غزوة الميورقي في سنة 624 هـ كما ذكر المؤرخون فلنحاول ترتيب هذه النظرية على نحو منسجم لا تعارض فيه.
ولعل الكثير من أبنائنا أو من إخواننا الذين رأوا في التنظيم القبلي طابعا من البدائية ونادوا بوجوب إلغائه لأنه لا يتلاءم وروح العصر، وهذه فيما أرى نظم سطحية قد تبدو أول مرة مقبولة عقلاً ولكن الذي درس المجتمع الميزابي ورأى كيف استطاع هذا المجتمع المسلم أن يستفيد من هذا التنظيم بدون أن يحترق، بما قد يكون فيه من خطر الفتن العمياء التي قد تثور بين أناس لا ينتمون إلى الإسلام إلا بألسنتهم، أما المجتمع المسلم الذي يؤمن بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلكم لأدم وآدم من تراب" فلا يجد في هذا النظام إلا الخير والسعادة
ولكي أوضح نظرتي أذكر حقيقة تاريخية تدل على مدى تبصر أجدادنا وسادتنا والتزامهم بحرفية القرآن الكريم أنهم قبلوا انضمام أي إنسان مسلم جاء يطلب الانتماء إلى عشائرهم، فهناك مثلا في غرداية قبيلة بني مَرْزُوف كانت دائما وأبدًا ضمن عشيرة أولاد الحاج مسعود، وفي العطف نجد أولاد يعقوب الذين نزحوا إلى وادي ميزاب من آفلو نزلوا في عشيرة أولاد الحجاج" بالعطف، ونجد آل بوسته" نزلوا في عشيرة أولاد" "باكه بالعطف، بل إن في هذه العائلة أخوان لأب وأم أحدهما يصلي مع الإباضية وهو من جماعه حفاظ القرآن التي تقدم ذكرها، بينما نجد أخاه الشقيق يصلي مع إخواننا المالكية في مسجد أبي بكر
الصديق وهذا لم يؤثر إطلاقا في علاقتهما العائلية، ولو ذهبت أسرد الأمثلة لطال بي المقام وذلك أني أريد أن أؤكد أن تخوف الكثير من العصريين من وجود هذا النظام تخوف لا أساس له وسنذكر قبل أن ننهي هذا الباب الحسنات التي لا نزال نجنيها
هي
أن
في هذا النظام وملاحظة أخرى أريد أن لا يفوتني ذكرها في هذه العجالة هناك عشائر متفرقة في كثير من القرى وتنتمي كلها لجد واحد، وعشائر أخرى انفصلت عن بعضها وعشائر انتقلت من قرية إلى قرية أخرى واتخذت اسما جديدا في مقرها الجديد وعائلات كانت منتمية إلى عشيرة فانتقلت إلى عشيرة أخرى تحت تأثير ظروف، عارضة، ولهذه كلها أمثلة واقعية نتحاشى ذكر كل التفاصيل لما قد نثير من حساسيات قد يكون من المفيد أن لا نذكرها ولربما عدنا لها إذا ما أشير علينا بذلك بحول الله. وقبل أن نتعرض للدور الذي لعبته العشيرة في وادي ميزاب في عصرنا الحاضر يحسن بنا أن نعود قليلا إلى تاريخها ودورها الاجتماعي (1) تأسيس القرى ومعمارها
لعل أروع أثر موجود استرعى انتباه المعاصرين سيما المعماريين الأوروبيين منهم هو هذه الهندسة التي شيدت بها هذه القرى في مجموع والتوزيع المنظم الهادف لمرافق القرى حسب متطلبات أو حاجيات الإنسان وحده، وإذا قلنا هذا في القرى فإنه يظهر في الدور أكثر فأكثر، فمن المستحيل أن تكون الدور أو المدن بنيت اعتباطا هكذا بدون تفكير ولا تخطيط والهندسة المعمارية كما هو معلوم تعبير عن نوع من المعادلات وكل ما وجده الباحثون من الميزات في القرى أو في الدور بأن وراء هذه الروائع عقولاً حصيفة ذات مستوى حضاري في أرقى، مراحله ولا يمكن بحال من الأحوال أن يكون فيها للصدفة أثر، ويقول البعض
يوحي
ا - سيأتي الحديث مفصلا عن العشيرة ودورها الاجتماعي في مزاب وإن شئت عد إليه في مكانه من الكتاب.
35
34