الشيخ القرادي
الجزء ١ · صفحة ٢٠-3 - وإذا استنطقنا هذه المباني فإننا نخرج بنتيجة واحدة لا يختلف فيها اثنان من المعماريين الأكفاء، وهي أن وراء هذه الهندسة عقل عالم ومتتبع لقواعد هندسية معروفة لدى المهندسين المعاصرين، ولنضرب لذلك أمثلة على سبيل المثال لا على سبيل الحصر، الأعمدة الأربع التي فوق الصوامع، أيمكن أن تكون جعلت للزينة؟ كلا إن المهندسين الميزابيين أعقل من أن يخاطروا بالبناء الذي يخرج من نافذة الصومعة إلى سطحها من أجل الزينة فقط، بل إن الأعمدة إقضتها هيكلة البناء وتقنيته وذلك لأن سقف الصومعة مُقبَّب وفي غالب الأحيان يجعلون فيه زيرا من الفخار فهذا التقبيب يقتضى ثقلاً لا على كل القبة بل على الأطراف الأربع للجدران، فلو نقوم ونتزع من إحدى هذه الصوامع أعمدتها الأربعة فإنها تنحل في مدة قريبة وقد تسقط.
-4 ولننظر نكتة أخرى في المساجد القديمة فنرى بالرغم من تقديس الميزابيين للمساجد فأبوابها لا تختلف في طولها وعرضها عن أبواب الدور وما ذلك إلا لأنها جعلت لدخول وخروج الرجال لا غير، وإذا كان المسجد كبيرا واحتيج إلى أن يجعل له باب ثاني فإنه يفتح، ولكنه لا يكون عاليا بل عاديا فلا حاجة لأي ارتفاع، فأطول الرجال قامة لا يزيد عن المترين وكل ما زاد عن قدر الحاجة فهو إسراف وتضييع، وقل مثل ذلك في سقوف المساجد فهي لا ترتفع أكثر من خمسة أذرع وذلك أدعى لطقسيتها (climatisation) ولتقليل النفقات، ثم ننظر إلى الكُوَّات التي توجد في كل المساجد وحتى في بعض سواريها، وكذا الرفوف، فكلها ذات منفعة لعُمَّار المساجد كوضع النوى أو الأحذية أو تعليق الملابس الخارجية، كل هذه وظائف نستغني فيها عن الالتجاء لجلب الأثاث من الخارج أو صنعه من الخشب الذي كان لا يزال، نادرا، وأقل ما يقال في استغلال الأماكن الممكنة
للرفوف نقول إنه اقتصاد في المواد التي يبنون بها، وفي عُرف الاقتصاد "لا تحتقر القليل، فالبحار تتجمع من القطرات!! ". 5 - وما قلناه في المساجد نقوله في الدُّور فهناك كثير من الملاحظات تدلنا دلالة صادقة على التفكير العميق الهادف الذي صحبهم في البناء وكذلك خضوع البناءات لأحد قواعد الهندسة الهيكلية للبناء (le micanisme). فأنت مثلا تراهم يجعلون الأقواس من الجهة الجوفية والجهة الشرقية والقوس الأخير الذي يتصل بالسور لا يجعلون فيه قوسا بل خشبة طويلة وهذه دالة على أنهم يعلمون أن القوس قد يدفع الحائط الخارجي كما يقرره الفنانون الآن (النارف) -6 والكُوَّة التي تكون بين قوسين ما مغزاها؟! إنها أولا تنفع لوضع بعض الأدوات الخطيرة كالمقص والموس والكبريت مما يجب إخفاؤه عن الصبيان، ثم هذا يدلنا على علمهم بالهندسة فهم متأكدون أن الثقل الذي تحمله الأروقة أو الأقواس ينصب فوق السواري، وبالتالي فإن فتح هذه الكُوَّى بين الأقواس لا يؤثر في صحة.
البناء ولا يُضعفه.
في الكوة العُليا (أعلى العرصة تحفظ المواد الخطرة
كالموسى والكبريت
وفي الكوة الوسطى والسفلى نوى التمر ..
وفي هذا الدليل على تقدير نعم الله تعالى
* الكُوَّات التي تنتشر في جدران المساجد والمصليات مهيأة لتحفظ المصاحف وترفعها بعيدا عن الأرض ..
41
40