الشيخ القرادي
الجزء ١ · صفحة ٢١كيف أنشئت آبار الواحات حول قرى ميزاب
يكاد يجمع الكتاب الذين تحدثوا عن ميزاب أنها واحة صناعية، فكل الواحات التي تكونت في الصحراء الكبرى من بسكرة والأغواط إلى أدرار و تيميمون نشأت على نقط طبيعة من الماء الحى مثل بعض الأودية الغزيرة أو عيون فوارة … إلا واحات وادي ميزاب فهي واحة من صنع البشر فليس بها عين فوارة ولا واد مثل الواحات الأخرى، ولقد حفر سكان القرى الخمس "أربعة آلاف" بئر يتراوح عمقها بين 20 إلى 60 متراً، ويكاد يُجمع الناس أن هذه الآبار حفرت بالطرق البدائية أي أن البارود والمفرقعات لم تستعمل إلا في الآونة الأخيرة، ولقد كان حفر الآبار يخضع للعديد من شبه القوانين والأعراف التي تواضع عليها الناس، وحسن بنا أن نتحدث عنها وإن طالت بنا.
1 كيف يُختار مكان البئر حتى تصادف ماء غزيرا؟ هناك ناس عقلاء يدركون بالتجربة ويتحسسون الأمكنة وهم معروفون في كل قرية، وقد تستدعي قرية شخصا من قرية أخرى وأغلب هؤلاء ممن يستطيعون أن يقوموا بهذا العمل أو يشرفون عليه، وقد سمعت حكاية بهذا الصدد لا بأس بإثباتها هنا حتى يتعرف عليها أصحاب التكنولوجيا، يقال إن هناك بئرا في غرداية يسمى "وَرْوَرَا تَلْكَعْبُوش" والوَرْوَرَا هي البئر الحي التي لا تنضب في أشد حالات القحط، ويقال أن هذه البئر بدأ أصحابها بحفرها وبلغوا إلى مئة ذراع، وهي في الغالب لنهاية ما يمكن أن يصل إليه الإنسان وهو يأمل، أما إذا تجاوز هذا العمق فيصبح قليل الأمل في وجود الماء، ولما يجد الحافرون الماء اقترحوا أن يجعلوا لها نفقا بمائة ذراع نحو جبل كان قريبا فحفروا هذا النفق وبعد أن وصلوا إلى المائة ذراع المقترحة لم يجدوا قطرة ماء، وكان الممولون للمشروع على حافة الإفلاس ولكن الحافر لم
بيأس، فأخذ ثلاث قصع صغيرة وهي المسماة عندنا "تزوضًا (1) وجعل في كل واحدة منها نوعا من الصوف يقال لها "تفيزا" بتفخيم الزاي، وكفأ تلك الأواني على الصوف ووضع واحدة في أول النفق والثانية في الوسط والثالثة في آخره ورجع بعد ثلاثة أيام فوجد صوف الأولى يابسا وصوف الثانية يابسا وصوف الثالثة نديا يقطر ماءً فحفر في ذلك الموضع عشرة أذرع وإذا بصخرة يتفجر منها الماء وما كاد يجمع أثاثه وعماله ويصعد من البئر حتى امتلأت البئر، وهذه واحدة من مئات الطرق التي يتحسس بها وجود الماء، وهناك ملاحظة عابرة أريد أن أسجلها هنا وهي أن الآبار التي حُفرت خارج وادي ميزاب مثل حاسي الحاج عيسى في طريق متليلي، وحاسي [] (2) على وادي النساء، وحاسي العرش، وحاسي عومر، وحاسي، أوريغنُو كلها لم يجدوا فيها ماء رغم العمق، أما أوريغنو (3) مثلا بلغ عمقها مئة متر. وكانوا يقسمون البئر إلى أربع وعشرين خَرُّوبَة فمن ملك سنةٌ فله ربع البئر، ومن ملك اثني عشرة خروبه فله نصف البئر، وقد تقسم الخروبة إلى أربعة وعشرين ميزونه أو ميزورة وهذا يقع غالبا في الآبار الغزيرة، ومن المعلوم أن استغلال الآبار يكون بالأيام فمن كان يملك نصف البئر قد يتفق مع الشريك على أن يحتل البئر يوما بيوم وقد لا تكون له دابتان لنضح الماء فيكون اتفاقهم حينئذ يشغل أحد الجوانب دائما وشركاؤه يشغلون الجانب الآخر، أما إذا كانت البئر غزيرة المياه في أيام الشدة والقحط فإن الطلب يكثر عليها فيبيع ملاكها الأصليون القسمات فيها، فيقسمون الاستسقاء منها بالساعات أو يتبعون في
أن
عددا
من
2
- جمع قصاع وقصعات، إناء خشبي مقعر، يقال لها أيضا "جفنة وجفان"، وتنطق الضاد مفخمة. هكذا في الأصل، فراغ قدره كلمة أو كلمتين.
3 - تقع على بعد 15 كم شمال وادي مزاب على الطريق الوطني رقم 1، على يمين الذاهب إلى بريان.
43
42