الشيخ القرادي الحاج أيوب إبراهيم بن يحيى 1923-1989م: رسالة في بعض أعراف وعادات وادي مزاب يحيى بن بهون حاج امحمد

الشيخ القرادي

الجزء ١ · صفحة ٢٢

التوقيت أوقات الصلوات وقد يستأجرون أمينا ليضبط لكل شريك وقته، وقد يتفق الشركاء حول الوقت أن تكون أغلب الأدوات التي يستقون بها مشتركة فلا يبدلون إلا الدلو والدَّواب لئلا يضيعوا الوقت في تبديل الأدوات مرارا في اليوم. وما دمنا نتكلم عن حفر الآبار فلا بأس بذكر نوع من الأجور كان يعطى للعمال الذي يحفرون لاسيما إذا كانوا يحفرون في الصخور، وذلك أنهم كانوا يحاسبون الأجير على حسب ما يقتلع من الحجر فكلما ملأ وعاء بالحجر إلا وملئوه له بالقمح أو الشعير وهذا على حسب الأوقات والظروف، وأما من كان يُصفي البئر فهو بالطبع يعمل طول يومه في الماء فإنه علاوة على أجره يعطون له رطل سمن يشربه قبل التزول في الماء لئلا تتضرر صحته بطول الوقوف في وسط الماء، ويجعلون على فم البئر أقواهم وأعقلهم لأن إمساك الغرارة وهي ما تحمل الردم من البئر تحتاج إلى المهارة والقوة والتعقل وإلا فإن أبسط غلط قد تؤدي بحياة الذين في أسفل البئر ويعلم الله وحده كم من أناس قضى الموت عليهم، كما وقع في البئر الموجودة في غابة "عين أَولَوَال" في العطف وهي ملك "لآل بكلي" قد عمل فيها أخوان من المخادمة الذين جاءوا من وارجلان كان أحد الأخوان في قاع البئر وكان أخوه يمسك الغرارة، وذات يوم كان بعض العمال يجرون الغرارة وهو في فم البئر ليمسكها وقبل أن يمسكها نادى بأعلى صوته "أياو" هنا" وهو النداء المعروف فلما توقف الذين كانوا يجرون الحبل الذي يحمل هذه الغرارة غلبته فرجعت إلى البئر وسقطت على أخيه فمات لحينه وكم لهذه القصة من النظائر في مختلف القرى ومن يدري لعل صاحب هذه القصة هو الذي اختار أخاه ليقف على باب البئر لثقته فيه، وأذكر أن أحد العمال في سنة 1934 كان يحفر في حاسي "اجدِيدَه" في غابات أولوال في العطف بجانب المبرد الكهربائي فسقط عليه حجر صغير ربما كان

من

بيضة الحمام فمات ليومه والطبيب العسكري هو الذي قال هذا عندما

أصغر فحصه وأذن بدفنه.

وكثيرا ما تنهار البئر على من فيها من العمال وهنا يُعلن في البلدة نفير عام حتى يُنقذ المنكوبون، وكثيرا ما يكونون على قيد الحياة إذا منَّ الله عليهم فوجدوا متنفسا وهناك حكاية لطيفة وقعت لأحد الأبطال المعروفين بشجاعتهم وإيمانهم بأن لكل أجل كتاب وهو المرحوم سماوي الحاج اسماعيل بن قاسم أو بن كاسي (1) كما يقولون المتوفى حوالي سنة 1900 فقد انهارت عليه هو وأصحابه بئر وتنادى المؤمنون، وظلوا يحفرون سائر اليوم حتى انقدوهم أحياء كلهم، لأن الله سبحانه مَنَّ عليهم بحجر مصفح كبير مثل الذي يُجعل في باب البئر ويسمى بالميزابية "مدون"، سقط مُتكما وأمسك الرَّدم فوقه فصاروا يتنفسون تحته حتى أدركتهم النجدة، وبعد أن خرجوا من البئر، سالمين ذهب إلى بيته وإذا بوالدته تقول له: إنني لا أقبل بعد اليوم أن تترل بئرا لقد كدنا نفقدك في حادث الأمس، فقال: يا أماه إن الناس الذين ماتوا على ظهر الأرض أكثر بكثير من الذين ماتوا تحتها، إن الأجل هو الذي يقتل فوجدت كلامه حقا فسكتت، وقد اختصر طريق الجواب فاقتنعت لحينها.

صورة لبئر بواحات مزاب، وعليها الدلو ينهمر ماء، وا ولعله يُسحب بالدواب نظرا لكبر حجمه. وقد كانت البساتين تسقى باستمرار رغم العناء ولا يكاد أحد يتخلى عن خدمة أرضه ورعاية ما يتركه له أسلافه ..

1 - لا ندري من يكون هذا الشخص بالضبط، ولكنه من عائلة آت" سماوي" من عشيرة "آت الحجاج" بالعطف ..

45

44