الشيخ القرادي الحاج أيوب إبراهيم بن يحيى 1923-1989م: رسالة في بعض أعراف وعادات وادي مزاب يحيى بن بهون حاج امحمد

الشيخ القرادي

الجزء ١ · صفحة ٢٣

وما دمنا نتحدث عن الآبار فإن من بين الأعراف المتبعة التضافر الذي يلتزمون به، خاصة إذا ما كانت هناك بئر بصدد العمل أو الربط بالحجارة فأعلن عن مجيء الواد فإن الناس يتضافرون ويتعاونون على إتمام ربطها قبل أن يصل إليها السيل، فإن بلغها السيل قبل أن يُحكم ربطها بالحجر انطمست و لم تظهر إلا إن أعيد حفرها من جديد.

وفي نفس السياق لا بأس أن نزيد بعض الملاحظات التي لها مدلولها وإن ظهرت تافهة لأول وهلة إن الآبار المحفورة داخل القرى شهدت مراحل من الكفاح المرير الذي خاضه سكان ميزاب فهي أولاً كلها الله لا لسقي غابة ولا شجرة بل لتكفي ضرورات الناس في الغسل والوضوء، ابتداء من آبار المساجد والأسواق، وانتهاء بمختلف الآبار الموجودة في البلدة، ومن المستحيل أن تجد في قمة الجبل غير الصخر ومع ذلك فقد حفروها، وقد يقضون أكثر من ثلاثين سنة في حفر بئر وذلك طبعا قبل أن يستعملوا البارود، ومن عجيب أمر هذه الآبار أنه لا توجد فيها مياه صالحة للشرب وإن كانت مياهها، نظيفة إلا مدينة بريان فإن آبارها عذبة نسبيا وإن كانت أقل عذوبة من مياه غاباتها وهذه الآبار تنقسم إلى قسمين منها ما هو تابع للمسجد وإن كانت بعيدة عنها وحبلها) وما تستلزم من مصاريف يشرف عليها وكيل المسجد، وكذلك إصلاحها وتصفيتها وترميمها كما سيأتي الكلام في ذلك مفصلا في باب الوقف ومنها ما حفر بجانب دار من دور المحسنين يفتح من داره كُوَّة يجر منها الماء لنفسه ويترك القسم الأكبر من البئر خارج داره ويقسمها إلى نصفين قسم للرجال وقسم للنساء ويقوم هو دوما مصاريف البئر وحبلها، وقد يوزع المجلس البلدي هذه الآبار ويحدد صلاحيتها طبقا لما يقتضيه أمن المواطنين فيقرر مثلا ثلاث آبار موزعة على حسب التقسيم

يريد: الحبل الذي بأغلب الماء من البئر.

الجغرافي للقرية لسقي عمال البناء لما يكون فيه من احتكار البئر في عشر ساعات

من اليوم، ويُلزم البنّاء أو صاحب الدار التي تُبنى بإتيان حبل من عنده ولا يستعمل حبل الوقف لسقاية البناء، ففي العطف على سبيل المثال كانت أربعة آبار معدة للبنائين هي "حَاسِي "الشيخ" في وسط البلدة، وحاسي تاسه" في جانب السوق، و "حَاسِي نُونَه" بجانب الرحبة القديمة، وحَاسِي بياع الزيت" في أبي سالم، وقبله كان سكان أبي سالم يستقون من حاسي المسجد"، وكان "حَاسِي بَاش عَدَلْ" الحاج محمد بن مسعود مُختصًا بالخبَّاز، وهو أعذب ماء من بقية آبار البلدة. وهذا التنظيم موضوع: أولاً: لمنع الاختلاط مع النساء والأطفال، ثم: لئلا يطول انتظار الناس لو كانت كل الآبار محجوزة لعمال البناء؛ وقد تُغرس بجانب البئر نخلة تمتص ما قد يتدفق من ماء السُّقاة ويُنتفع بجمالها، وتمرها لحبل تلك البئر، وذلك كله تحت إشراف المسجد، وقد أدركتُ نخلة بجانب مسجد أبي سالم في العطف وهو على قمة الجبل كما لا يزال شاهد ذلك في مليكة العُليا. الواحة أو الأجنة والغاية منها

لقد نشأت قرى وادي ميزاب مقسمة بالكيفية الحكيمة التي شاهدنا فيها تقسيم المناطق الزراعية الكافية لكل قرية ولذلك نشأت حول كل قرية واحة يزرع فيها المواطنون ما يحتاجون إليه من خضر الشتاء والصيف وإن كان اعتمادهم على النخيل أكثر، لأنها تزدهر في جو الصحراء وتصبر على انقطاع الماء وقد تكون بُوراً لا تعيش إلا على مياه الأودية وفيها منافع كثيرة منها أن تمرها يصبر سنوات قد تزيد على العشرة ويحتفط التمر فيها بحلاوته وإن تغير لونه ثم إن نواه علف للدواجن والجمال وأما الخشب والجريد فهم ينتفعون به في البناء، وأما العراجين اليابسة فهي للكنس وللوقود، وكذا لَكْرَب "الكَرْنَاف"، وأما الليف فتصنع منه

47

46