الشيخ القرادي الحاج أيوب إبراهيم بن يحيى 1923-1989م: رسالة في بعض أعراف وعادات وادي مزاب يحيى بن بهون حاج امحمد

الشيخ القرادي

الجزء ١ · صفحة ٢٤

هذا

صبر

الحبال أو الغنانيت (1)، وأما السعف فتصنع منه القفاف والمراوح وكثير من الأواني كالأطباق والكساكس والقنينة للماء أو للبن أو الحصير، وقد تصنع من السعف غرائر لحمل التمر من مكان لآخر أو زنابيل (2) وهو ما يعبر عنه بالشواري، وكل يرجع أخيرا إلى الوقود، ولكن النخيل على عمومه يحتاج غرسه ومعالجته إلى أيوب فإنتاجه للتمر لا يكون في الغالب قبل خمس سنين، وتأبيره وتعديل عراجينه واقتطافه وقطعه أخيرا يحتاج إلى المجهود المتواصل الدائب الذي لا يكفي فيه الرجل وحده بل لابد أن يشترك جميع أفراد العائلة في خدمته، وهذا ما استلزم إيجاد بعض دور بسيطة في الغابات يقتصرون فيها على القدر الضروري من المرافق وأغلبها كان إلى عهد ليس ببعيد مبنيا بالطوب وأرضه مفروشة بالتراب، لا يستعمل الجير والحصباء إلى في صقل السطح العلوي المعرض للمطر وتغطية أعالي الجدران لأن الطوب كما يقول العامي يقول: "غَطِّ لِي رَاسِي وَخَلِّينِي الْقَاسِي"، وقد يصقلون بالجير كذلك أرض المغتسل لا غير وقد دعا إلى ذلك أمران ضروريان منها ربح الوقود فإن نقل الحطب دائما من الغابة إلى البلدة فيه كثير من التعب وكذلك الماء فإن ماء الآبار الموجودة في البلدة غير صالحة للشرب كما تقدم، وبهذا يستريح أب العائلة من نقل الماء العذب والحطب وغسل الملابس مدة نصف سنة على الأقل، هذا زيادة على ما تستفيده العائلة من صبغ الصوف وغسلها وما يستفيده أب العائلة من استخدام الجميع في التقاط التمر في بدء نفسه أو التقاط التمر الذي يتساقط بفعل الرباح، فيُنتقَى ليأكل الأولاد ما كان صالحا ويُجنف الباقي على السطوح ليخزن علفا المدواب.

2

- هي أشبه بالشوَارِي أو الزنابيل، يُنقل فيها الرمل على ظهور الحمير خاصة وكذا مختلف مواد البناء. - وتعرف عند العامة أيضا بـ"الخرج ".

وقد تناقصت هذه المتطلبات اليوم بوجود الماء العذب والعيون في كل

مكان ورخص سعر الوقود ولم يعد الناس يوقدون الحطب إلا قليلا، ولكن السكني في الغابة لا تزال لها المكانة الممتازة في الحياة الاجتماعية في ميزاب، فكثير

من رجال الأعمال يرون في هدوءها والرجوع إلى بساطة العيش كل الراحة)، لقد

كان

كانت هذه الغابات لمدة من القرون تُسهم مساهمة فعالة في إنعاش الحياة يوم الناس لا يسافرون إلا قليلاً مكتفين ذاتيا بما استطاعوا أن يقوموا عليه بالمجهود الفردي أو التعاوني ولكن بعد أن أصبح الناس يسافرون إلى التل ويرجعون ببعض الأرباح التي هي أحسن بكثير من الربح في الميدان الزراعي فلم يعد الناس يعتمدون على الزراعة إلا اعتمادًا ثانويا، فصار بالنسبة للشباب عمل غير منتج إذا قيس بالأرباح التي قد يجنيها الناس في التجارة والصناعة أو الوظيف العمومي، وكان الحفاظ على ازدهار هذه الواحات يتطلب مجهودا ماديا ضخما حتى قال علماء الاجتماع إن بنوك الميزابيين هي هذه (2)، ولقد تساءل بورديو في دراسته الاجتماعية عن ميزاب عن هذه الظاهرة "كيف أن أناسا دخلوا عالم الاقتصاد من أوسع أبوابه وهم يحذقون الأخطار الفنية في هذا الميدان ثم نرى أولئك الأشخاص بذاتهم يريقون مالهم في السواقي التي تسقى بها النخيل ثم لا يصلون بعد حتى على نصف ما دفعوا!! "، نعم لقد يحار الإنسان الأوربي المادي في هذه الظاهرة، ولكن الملاحظ الذي يعرف مقدار التوجيهات المحمدية في الغراسة والأجر الذي فيها، ويعرف مقدار تعلق الإنسان بأرض آبائه وأجداده لا يستغرب من وجود الظاهرة، ولعل أقل ما يقال فيها هو إعداد جو جديد للعائلة وكذا الأولاد الذين ليست لهم

ا - فعلا لقد باتت الواحة المتنفس الطبيعي الوحيد والمفيد، والذي لا زال الناس يؤمونه أيام العطل. 2 - طبعا لأن ورع المزابيين قديما كان يمنعهم من وضع أموالهم في البنوك لما ينجر عنها من الفوائد الربوية المحرمة شريماء ويقال أيضا عند أهل مزاب: "من تلك بستانا فهو يمتلك كرا".

43