الشيخ القرادي
الجزء ١ · صفحة ٢٨لقد أبدع الأسلاف في حفر هذه الأثلام والأخاديد على الجبال الصخرية فبعثوا الحياة في واحات مزاب الجرداء، ولا يدري أحدٌ كم استغرق عملهم الشاق والمضني من الوقت ومن الجهد فوق هذه الجبال الصخرية القاسية، إنه دون شك الإيمان بالله وإرادة الحياة …
إن حقوق كل جار محفوظة حسب التنظيمات والقوانين الشرعية، وحسب "اتفاقيات المجالس العامة للعزابة" ويكون السهر على مراقبة هذه الأنظمة من طرف "أمناء السيل"، فالفتحات المفضية للأجنّة مقيسة ومُحددة بحسب المساحة وعدد النخيل أو المزروعات …
الروح الجماعية
لقد تمتع المجتمع الميزابي برسوخ جذور الروح الجماعية والشعور الجماعي، ولو ذهبنا نعدد الجوانب التي ظهرت فيها هذه الروح لطال بنا التعداد لكن مع كل هذا لابد أن نشير إلى بعض ملامحها في مختلف المجالات التي كانت ولا تزال مستمرة وستستمر إن شاء الله مادام الإسلام قائما وقائدا في هذه الأرض، فلو استعرضنا هذه الملامح لوجدناها بادية للعيان في الأعراس والمآتم وفي المساجد والمقابر والمدارس وفي كل المرافق العامة التي هيأت بدافع من إيمان عميق، ولا نظن أن اهتمام مجموعة بأي فرد من أفرادها يفوق اهتمام هذا المجتمع بأفراده، كما أنه
لا يوجد فيما نعتقد مجتمع يتتبع حياة الشخص في مظاهر حياته من كل نواحيها مثلما نجد في هذا المجتمع، فهو يعتز به إذا نجح في مجال الحياة ويشمئز منه وقد ينأى عنه إذا ما أخفق بسبب تصرفاته وهذه المراقبة حفزت الكثير وأمدتهم بالقوة المعنوية اللازمة لخوض معترك الحياة وكفكفت الكثير من غلواء النوازع الشريرة التي قد تصيب بعض الناس من ذوي الطغيان بالسلطان أو الغنى، والذين يظهرون من حين لآخر في مختلف الظروف التي تعتري حياة المجتمعات بصفة عامة، ولقد كانت روح المبادرة كما يطلق عليها المعاصرون خُلقا من أخلاقهم الأصيلة فكل ما بني في مختلف أنحاء القطر الجزائري من شرقه لغربه كان بمبادرة سكان تلك المدينة فقط، فمسجد سوق أهراس ومركز قالمة وما يشاكلهما من مشاريع لم تُقرر في مجلس "عَمِّى سَعِيد (1) ولا في أحد مساجد ميزاب ولكن بقرار من التجار الموجودين في تلك البلدة، وليس للأفراد إلا أن يباركوا هذا العمل ويؤيدوه معنويا وماديا، وهذا مظهر من أهم مظاهر روح المبادرة وتجاوب المجتمع مع كل شخص أو مجموعة تريد أن تنجز مشروعا، ولولا وجود هذه الروح الأصيلة في هذا المجتمع
ا - أعلى هيئة دينية اجتماعية في وادي مزاب يجتمع فيها عزابة قرى مزاب كلهم لبحث القضايا والمستجدات العامة.
57
56