الشيخ القرادي
الجزء ١ · صفحة ٢٩لما غامر الأفراد أو المجموعات الصغيرة بإنشاء أي مشروع قد يعجزون عن تنفيذه وإتمامه لاسيما والكثير منهم يقوم بأغلب نفقات المشروع، وقد يُنجزه ثم يطلب العون من الآخرين بعد أن يكون قد أتم إنجازه أو كاد وهذا من أصدق الأدلة على الثقة التي يتمتع بها هذا المجتمع بنفسه في إقامة المشاريع.
ولنعد إلى بعض الأعمال الجماعية التي كان يقوم بها الناس مند أقدم الأزمنة لنرى كيف كانت الروخ أصيلة منذ نشأت مدن ميزاب، ونذكر منها مثلا: الزراعة الجماعية
كانت عادة الغراسة الجماعية في الكثير من قرى ميزاب متبعة سيما بعد الأودية فإذا أنعم الله سبحانه وتعالى بـ"رحمة"، وهو الاسم التي يُعبر به الناس هنا لسيل الوادي وحملته بعد أن تجف المياه من أراضي العرش يجتمع المجلس البلدي وسيئتي الكلام مفصلاً عن كيفية تكوينه فيعلن عن خروج البلدة كلها "على حد الصائم" كما يعبرون لزراعة البطيخ والدَّلاع إذا كان ذلك في الربيع أو الفول والقمح والشعير إذا كانت الحملة في الخريف فيسرع الناس لتلبية النداء ويأتي من استطاع منهم بالبذور الصالحة وغالبا ما توجد الكمية الكافية فإذا لم يجدوا ما يكفى اشترى مسؤول العرش ما يكمل به الكفاية وشرعوا يغرسون فإذا لم تتم العملية في يوم وهذا نادر لأن المساحة تقدر من طرف المجلس البلدي فإنهم يعيدون في يوم آخر بعد حوالي أسبوع، فإذا بدأت الغلة ووجد منها ما يكفي للتوزيع أُعلن عن يوم الالتقاط أو الاقتطاف وبدأ العمل منذ الصباح فيوزعون في نفس المكان ما جمعوه بكيفية عادلة لا تدع مجالا لخصومة أو خلاف يأخذ من حضر الزراعة والقطاف قسمتين ويأخذ من حضر الغراسة وحدها قسمة وحده قسمةً، وتُوصل إلى داره إن كان غائبا وقت التوزيع، وهنا قد يتساءل متسائل وهل يعطى نصيب للأرامل أو العجزة؟ والجواب: عن الأرامل لا تعطى
و من حضر القطاف
لهن قسمة من هذه الحصيلة، ولكن الأفراد لا يهملون أقاربهم وأراملهم، أما العجزة فإن خرجوا وحضروا الحملة وسجلوا أنفسهم فإنهم يكلفون مثلا بحراسة السوق وأبواب البلدة أو حراسة الأمتعة في مكان الزراعة فحسبهم أن يخرجوا ولا يكلفون بعمل شاق، فمنهم من يوزع الماء لشرب العمال، ومنهم من يجلس في المكان الذي يضعون فيه التمر والبذور وقِرَبَ الماء، فكل من بذل مجهودا وإن كان صغيرا فإن له قسمة أو قسمتان وما قلناه في البطيخ والدلاع نقوله في الفول والقمح والشعير، وآخر مرة وقعت هذه الحملة في العطف كان في سنة 1955 م، ولست أدري إذا كانت قد وقعت بعد ذلك في إحدى قرى الوادي. المساجد وهيآتها
تقدم فيما سبق أن بدأ تأسيس القرية يبدأ ببناء المسجد في أبسط ما يكون البناء، وتقدم أن الزخرفة أو الديكور كان بعيدا كل البعد عن البناءات هنا، ولكن ابتداء تأسيس القرية بالمساجد واختيار أعلى مكان من الشكل الهرمي في هيكل القرية عامة يوحي بالمكانة الممتازة التي يضع فيها المزابيون المسجد من البنية الاجتماعية، فالمسجد هو كل شيء، وإذا قلنا ذلك فنحن نعني ما نقول، وذلك أن تقدير أوامر المسجد وتنفيذها بكل حرفية هو الذي حفظ لهذا المجتمع روحه الدينية الأصيلة، رغم الهزات العنيفة التي تعرض لها المجتمع زمن الاحتلال وبعد الاستقلال، وإذا قلنا المسجد فمن المفهوم بالبداهة أن المقصود هم القائمون على تسييره وإدارة شؤون البلدة من الناحيتين الدينية والاجتماعية وقبل أن نتحدث عن آثار نفوذ المساجد في وسط المجتمع يحسن بنا أن نُعرف بهيآت المسجد ابتداء بالهيئة العليا
وهي: هيئة العزابة.
59
58