الشيخ القرادي
الجزء ١ · صفحة ٣٩مجلس الاستئناف اف ام
تقدم أن مجلس عمي سعيد كانت له جلسات منتظمة تعتقد للنظر في الأحكام التي يصدرها شيوخ العزابة أو القضاة في كل قرية، وهذا لكي نفهمه جيدا يحسن بنا أن نعود قليلا إلى أنظمة المساجد عبر التاريخ لنستطيع أن نتصور هذا الدور، كان في كل مسجد شيخ عالم يقوم بالفتوى والوعظ والإرشاد ويقسم المواريث ويسجل البيوع وجميع العقود ويقيس الجراحات (1) وهذا كله ضمن عمله في المسجد، ولذلك رأى هؤلاء العلماء أنهم قد تُعرَض لهم مسائل قد تكون فوق مستواهم فيستشيرون من هو أقدر منهم، وأعلم، فكانت هذه الندوات تسفر دائما عن نتائج تنفع الجميع، وتبعا لذلك أصبح كل من حكم عليه بحكم يرى أنه غير عادل يرفع شكواه إلى هذا المجلس فيتفاوض الأعضاء ويقررون الحكم العادل، وكان يرأس المجلس أعلم الجميع ويكتبها أحدهم ثم تدرجوا حتى صار يرأس الجلسة عالم حر أي ليس بقاض في قريته وذلك طلبا للنزاهة وتحريا للعدل وإن كان القضاة يحضرون كلهم هذا الوضع كان قبل الاحتلال وحين جاءت فرنسا وبدأت نفوذ السلطة القضائية انتزعت من صلاحيات هذه المحاكم قضايا الدماء كالقتل والجروح والأضرار البدنية، ثم زادت فجددت من صلاحية هذه المجلس بقيدين، أولا: اشترطت أن يتفق الخصمان على الاحتكام لهذا المجلس، ثم قصرت المدة التي يمكن فيها للمحكوم عليه أن يطلب الاستئناف إلى ثمانية أيام عوضا عن الشهر الذي كان مقررا في أول حكمها وكان مُطلقا قبل الاحتلال، وبذلك قضت على هذا المجلس بطريقة ذكية ماكرة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، ومنذ
تحدد
من
ذلك الحين لم يعد في استطاعة الناس أن يستأنفوا أحكامهم بهذا المجلس، ولو اتفق الخصمان لما كانت هناك قضية ولا محاكمة.
وبقي منذ ذلك الحين عمل المجلس محصورا في قضايا الفتاوى والاتفاقات
في القضايا الدينية المستحدثة مثل العمل بالتلفون في الصوم والإفطار، والعمل بنداء الحاكم المسلم، والإشراف على الأوقاف كما تقدم. نلاحظ أن الحكومة الفرنسية حَدَّدت من صلاحيات هذا المجلس وأطلقت العنان لمن أراد الاستئناف إلى محكمة المطلب الأول بالبليدة، ولم تشترط في هذا الأخير اتفاق الطرفيين، وهناك دراسة مهمة لأستاذنا الشيخ عبد الرحمن (1) في الموضوع سنلخص آراءه في هذا الموضوع تعميما للفائدة.
1 - كان آخر شيخ يعمل بقياس الجروح في مزاب هو الشيخ إبراهيم بن موسى بن بلحاج محفوظ (1867 - 1948 م) في بني يسجن وأصله من العطف من آل بن عيسى، وله "رسالة" في مقاييس الجروح"، ينظر: نفسه، ج 2، ص 65.
(صورة قديمة لسوق غرداية ولعلها تعود إلى مطلع القرن الماضي.
ا - هو: الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي الشهير بـ"البكري" (1901 - 1986)، من علماء العطف البارزين وأعلامها المصاحين، وهو من مؤسسي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وله تأليف عديدة. ينظر: نفسه، ج 3، ص 521
79.
78