الشيخ القرادي
الجزء ١ · صفحة ٤٢يتحمله أحد أقاربه بطلب منه وقد يستدعون أغنى أقربائه فيطلبون منه فيجيب، وكل هذه الصور موجودة ومعمول بها وخلاصة القول أن كل هذا يقع سرا فلا يشعر به الشاب المتزوج إطلاقًا إذا كان أبوه حيا، وأما اليتيم فقد يُخبر بعد عرسه أن العشيرة قد تحملت كل المصاريف ولو كان المتحمل فردًا، حتى لا يكون له عقدة، وهذا كله من فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم)، ولا حاجة إلى التنبيه مرة أخرى أن هذه الأعمال الخيرية هي على حد سواء في جميع القرى بل قد تختلف قوة وضعفا تبعا للناس القائمين على أمور العشائر كما سبق أن نبهنا قبل.
كيف تبدأ حفلات العرس؟!
ليست تراتيب هذه الأعراس موحدة في جميع مظاهراتها بالنسبة للقرى، بل قد تختلف في بعض الجزئيات ولكن مما لا شك فيه أن المساجد ورجالها مشرفون تمام الإشراف على هذه المظاهر سيما ما كان منها أساسيا ولذلك فأنا أقتصر على ما عرفته وعشته في العطف وبعض ما رأيته في بعض القرى التي عشت فيها زمنا وإن كنت حينئذ طالبًا لا دخل لي في تسيير الأمور ولكن هذا لم يمنعني من
الملاحظة.
كنا قبل الحرب العالمية الثانية نبدأ مراسيم الأعراس بالعطف بيوم "إخراج الزرع (2) وهو بنحو أسبوع قبل ليلة الدخول أو ليلة البناء، ويبدأ هذا اليوم بدعوة العزابة ثم رؤساء العشائر ثم كل عشيرة على حدة، فإذا طلعت الشمس يدخل العزابة أولاً فيجدون صاحب العُرس أمام داره ومعه جماعة أعيان عشيرته يرحب بالعزابة فيدخلون فيجدون قنطارًا من القمح الجيد في وسط الدار ويبسطون نطعا،
ا - اقتباس من قوله تعالى: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم"، الحديد، 21.
2 - لا زال المصطلح متداولاً بالمزابية في أعراس العطف إلى تاريخ اليوم، وهو: "أسرفَعُ نْ إِمَنْدِي".
فيقوم شابان قويان ويقربون ذلك القمح منهم وهم محلّقون فيفتحون كيس القمح ويخرجون منه مقدار النصف ويضعون الكيل فوق ذلك القمح، ويشترك الجميع بملء ذلك الكيل بيد واحدة وهي اليمنى، فإذا امتلأ الكيل أفرغه خادم العزابة أو سقاء المسجد في عدل مهياً من قبل، ثم يعيدون ملء ذلك الكيل، وغالبا ما يكون حثيةً قديمة (1)، وبعد إفراغها للمرة الثالثة يقلبون الحثية فيُلقون بأيديهم كذلك كمية من القمح على ظهرها وهو قليل جدا فيفعلون ذلك ثلاث مرات، ثم يكررون نفس العملية بالنسبة للمَدِّ كذلك يملئونه ثلاث مرات ثم يقلبونه ثلاث مرات، ثم يُنحَّى ذلك القمح ويغسلون أيديهم ثم يُفطرون بالسمن والعسل ثم يدعون الله فيخرجون، فيأتي رؤساء العشائر فيفعلون نفس ذلك العمل ثم يفطرون ويدعون الله ثم تتابع العشائر واحدة تلو الأخرى بدون ترتيب وإنما ألجأهم إلى ذلك ضيق المحل فهم يتجمعون في السوق ويذهبون إلى العُرس بالتناوب وبعد أن يفطر كل المدعون ويخرجون، يتركون النساء يفطرن كذلك ثم يتداعين للعمل في كامل الأسبوع، أما الشابات القريبات فيمكثن في دار العُرس إلى اليوم الثالث بعد العرس أو إلى السابع، وأما النساء الكبيرات فإنهن مطلوبات بالحضور كل يوم ولكن حسب ما تسمح به ظروف أعمالهن في بيوتهن أما الشابات فعليهن الاعتماد في كل الأعمال، وتتابع الأيام هكذا يوم تصفية القمح ويومان لطحنه ويوم لغربلته ثم يوم الفتل ويوم الوليمة، وهذا ما يقع في السابق وبعد الحرب وازدياد عدد السكان واتساع العمران رأى العزابة أن يحذفوا هذه العبارة من عادات العرس لما فيها من تكاليف مادية تثقل كاهل الناس وعوضت بدعوة العشيرة فقط ثم اختصر الفطور إلى شاي في العَشِيَّة بدار العشيرة إذا كان الوقت صيفا وفي الليل بعد العشاء إذا كان شتاء.
ا - من الموازين التقليدية ويعادل 12 مدا.
85
S 4