الشيخ القرادي الحاج أيوب إبراهيم بن يحيى 1923-1989م: رسالة في بعض أعراف وعادات وادي مزاب يحيى بن بهون حاج امحمد

الشيخ القرادي

الجزء ١ · صفحة ٤٣

أما تعليل هذه العادة من الاشتراك في عمل بسيط فهو يشبه ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم حين حسم الخلاف بين زعماء قريش في وضع الحجر الأسود مكانه، وأما قلب الكيل فقد سألت الكثيرين من شيوخنا و لم يجبني أحدهم جوابا شافيا إلا أن أحدهم قال لي: إنهم يرمزون لذلك إلى تقلب الحال من رخاء إلى شدة، وقد سجلت هذه النكتة لعل القارئ يجد لها تفسيرا، ولربما وجد أحدهم لهذه العادة نظيرًا لها في بعض البلدان الأخرى في الجزائر أو خارجها، وقال لي آخر فيه إشارة إلى قول الله تعالى وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنه" والله أعلم بما أرادوا، وقد ألغيت هذه العادة تماما مع كل ما فيها.

وقد علل عمنا الشيخ الحاج عمر بن حمو (1) ذلك بعمل الرسول صلى الله عليه وسلم في وضع الحجر الأسود في موضعه أما قلب الكيل فهي إشارة إلى حالتي

اليسر والعسر عليها عبان

وهناك أمر آخر انفردت العطف به في أمر الأعراس وهي عادة "تعليق الخيمة"، فإن الوزراء الذين يُختارون لمرافقة العريس وخدمته في أيام العرس يجتمعون عشية اليوم السابق لوليمة العرس في السوق فيقبلون جماعات ويذهبون إلى دار العرس ويعلقون في السطح الفوقاني خيمة مستطيلة ويعبر عنها "بالفليج"، وهو قطعة من نسيج يصنع بالصوف والشعر مثل الذي تنسج للخيمة التي يسكنها البدو، ولابد أن تمر فوق الشباك الذي يتوسط الدار وتشد إلى أسوار الدار في أعلى ما يمكن العلو حتى يراها الناس من بعيد بعد أن يعلقوها يصبون فوقها ذنوبا من الماء ثم يوزعون الخبز المصنوع في الدار وحفنة من الفول المدمس (2) لكل الحاضرين، فيلقى كل الحاضرين ذلك الفول للبنين والبنات الصغار الذين يتجمعون في السطح

- هو الشيخ عمر بن حمو بكلي تلميذ القُطب أطفش رحمهما الله وقد سبق الإشارة إليه.

2 - حن بعد إلغاء العمل بنصب الخيمة في السطح، بقيت عادة توزيع الفول المحمر على النساء في دار العرس.

لاعبي

الأوسط فيزدحمون على التقاط الفُول، وبعد أن يدعو أحد الحاضرين الله ينزلون من السطح، ويمرون أمام النساء الملتحفات المتجمعات في وسط الدار، تاركات طريقا واسعا لمرور الناس، ويكُنَّ في الغالب جالسات على الأرض، وقد ينشرن الزغاريد بعد أن يصبوا ذنوب الماء من السطح الأعلى، كما قد يُطلق أحد المكاريس طلقة واحدة من البارود، وإن كان هذا من عادات أعراس المُكَارِيس، أما في أعراس الطلبة فلا يكون البارود إلا نادرًا وبإذن من العزابة كأن يكون والد العريس من البارود، وبعد النهاية من الدعاء وقبل الانصراف ينادي الوصيف الذي يسبق الناس دائما في المشي إلى العرس وهو الذي يوزع الخبز والفول: "إنكم مدعوون أيها الحاضرون للعشاء" فإن لبوا النداء تعشوا جميعا في الدار، وهذا ما كان يقع، أما الآن فقد أبقي على هذه العادة ولكن العشاء لا يكون في دار العرس بل في "الحجبة"، كما أمر العزابة بتقليل عدد الذاهبين إلى تعليق الخيمة، وهنا يتبادر للقارئ أن يتساءل ما سبب هذه العادة وما معناها وهل ترمز إلى شيء؟! ولماذا تختص بها العطف دون سائر القرى؟! أسئلة طالما طالبنا بها الكبار ولكننا لم نجد لها تفسيرا نطمئن إليه، ولعله من المفيد أن نذكرها على عادتنا، ولنترك للقارئ التعليل، يقول بعضهم: "إن رسول صلى الله عليه وسلم بَنا بزوجته ميمونة بشرف تحت خيمة وقد فعل الناس إتباعا للسنة" وهذا فيما أرى احتمال ضعيف فهناك فوارق، ويقول آخرون: "إن الأسلاف رحمهم الله أرادوا بهذا أن يرمزوا إلى أننا كنا ممن يسكن الخيام فلا تنسوها فإن الحضارة لا تدوم ويقول فريق آخر: "إن نصب الخيمة على السطح الأعلى في الدار هو بمثابة إعلان لمن أراد أن يتعشى، حتى إذا مرت قافلة من الوادي ورأت خيمة منصوبة علمت أن هناك وليمة فترلت للعشاء"، أما نحن فلا زلنا لم نطمئن إلى أحد هذه التفاسير فالبحث مقترح.

87

86