الشيخ القرادي
الجزء ١ · صفحة ٥٣جد واحد وهي
العشيرة
أو القبيلة أو الفرقة هي مجموعة عائلات تنحدر في أغلب الأحيان من يسمى في الشريعة الإسلامية العاقلة، وقد عُرفت في تحمل الديات في قتل الخطأ، لأن الشخص لا يستطيع بمفرده إذا ما قتل خطاً أن يدفع الدية فأوجب الشَّرع أن تتضامن معه عشيرته، ومثل ذلك في الجراحات التي تحب فيها نصف الدية أو أقل أو أكثر.
وقد كان للعشيرة في وادي مزاب دور كبير في هيكل البنية الاجتماعية، ودور تنظيمي ساعد في جميع الأطوار التي مرت بها هذه الناحية على إحكام أي تنظيم سليم، إلا أن هناك ظاهرة موجودة في وادي ميزاب يجب أن ننتبه لها هي من ألحق بأبناء العشيرة بالولاء كما هو الحال بالنسبة للملوَّنين المنحدرين من العبيد،
الحين
ومن كان نزيلاً بعد أن انضم إلى العشيرة من أجل أن يحتمي بها، واعتبر منذ ذلك أبناء العشيرة وإن كان لا ينحدر من سلالتهم ولا ينتمي إلى جدهم، من وهؤلاء موجودون بكثرة في كل العشائر ويعرفون أنفسهم ويعرفهم الناس، ولكن هذا لا يعفيهم من واجباتهم نحو العشيرة ولا يمنعهم من حقوقهم فيها ولا فرق بينهم وبين أبناء العشيرة في شيء.
وبناء على ذلك فنحن نرى فيها شيئا فوق العصبية العرقية، وذلك أنه وجد على مر التاريخ أناس قد يختلفون مع أبناء عشيرتهم في أي أمر من الأمور فيختار أن يهاجر من قرية إلى أخرى، وإذا استقر في القرية التي هاجر إليها وبقي مدة من الزمن وقد يتزوج من تلك القرية إذا كان قد هاجر عازبا، وإذا نوى الاستقرار النهائي في قريته الجديدة ولم يجد ما يشجّعه على الرجوع إلى قريته التي خرج منها اختار عشيرة من العشائر فطلب الانتماء إليها وهم في الغالب لا يترددون في قبول طلبه لأن ذلك يزيد في عددهم وقوتهم وهذا كثير وواقع، ولذلك
نرى أن من يعتبر العشيرة قاعدة أو مدعاة إلى عصبية أو عنصرية ففهمه ضيق، ولو كان المجال مجال تطويل لسردت قائمة طويلة من أسماء العائلات التي انتمت إلى عشائر لا تجتمع معها في جد واحد، ولعلنا نعود إلى الموضوع بشيء من التفصيل. وهناك نكتة أخرى جديرة بالتنبيه هي أن العشيرة لا تتدخل في مذهب الشخص الذي ينتمي إليها ولذلك نرى على مر التاريخ عشرات العائلات التي تنتمي إلى الأعراش العربية المجاورة لمزاب قد انتمت إلى العشائر واندمجت، ولعل الكثير من أبنائنا أو إخواننا الذين رأوا في التنظيم القبلي طابعا من البدائية، ونادوا بوجوب إلغائه لأنه لا يتلاءم وروح العصر، وهذه فيما أرى نظرة سطحية قد تبدو أول مرة مقبولة عقلاً، ولكن الذي درس المجتمع المزابي ورأى كيف استطاع هذا المجتمع المسلم أن يستفيد من هذا التنظيم بدون أن يحترق بما قد يكون فيه من خطر الفتن العمياء التي قد تثور بين أناس لا ينتمون إلى الإسلام إلا بألسنتهم، أما المجتمع الذي يؤمن بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلكم لآدم وآدم من تراب" فلا يجد في هذا النظام إلا الخير والسعادة. ولكي أوضح نظرتي أذكر حقيقة تاريخية تدل على مدى تبصر أجدادنا و سلفنا والتزامهم بحرفية القرآن الكريم، إنهم قبلوا انضمام أي إنسان مسلم جاء يطلب الانتماء إلى عشائرهم، فهناك مثلا في غرداية قبيلة بني مَرْزُوف كانت دائما وأبدًا ضمن عشيرة أولاد الحاج مسعود، وفي العطف نجد أولاد يعقوب الذين نزحوا إلى وادي مزاب من آفلو نزلوا في عشيرة أولاد الحجاج بالعطف، ونجد آل بوسته نزلوا في عشيرة أولاد باكه بالعطف، بل إن في هذه العائلة أخوان لأب وأم أحدهما يصلي مع الإباضية وهو من جماعة حفاظ القرآن التي تقدم ذكرها بينما نجد أخاه الشقيق يصلي مع إخواننا المالكية في مسجد أبي بكر الصديق وهذا لم يؤثر
107
106