الشيخ القرادي
الجزء ١ · صفحة ٥٤هي
إطلاقا في علاقتهما العائلية، ولو ذهبت أسرد الأمثلة لطال بي المقام وذلك أني أريد أن أؤكد أن تخوف الكثير من العصريين من وجود هذا النظام تخوف لا أساس له. وسنذكر قبل أن ننهي هذا الباب الحسنات التي لا نزال نجنيها من هذا النظام، وملاحظة أخرى أريد أن لا يفوتني ذكرها في هذه العجالة أن هناك عشائر متفرقة في كثير من القرى وتنتمي كلها لجد واحد وعشائر أخرى انفصلت عن بعضها وعشائر انتقلت من قرية إلى قرية أخرى واتخذت اسما جديدا في مقرها الجديد، وعائلات كانت منتمية إلى عشيرة فانتقلت إلى عشيرة أخرى تحت تأثير ظروف عارضة، ولهذه كلها أمثلة واقعية نتحاشى ذكر كل التفاصيل لما قد نثير من حساسيات قد يكون من المفيد أن لا نذكرها ولربما عدنا لها إذا ما أشير علينا بذلك بحول الله.
وقبل أن نتعرض للدور الذي لعبته العشيرة في وادي مزاب في عصرنا الحاضر يحسن بنا أن نعود قليلا إلى تاريخها ودورها الاجتماعي والسياسي، وذلك أن المجلس البلدي الذي كان يسوس بحق هذه القرى سياسة مستقلة تماما عن بقية القرى، كأن يتكون من رؤساء العشيرة أو من منتخبي العشائر، فلكل عشيرة صوت وإن اختلفت أعداد أفرادها، وهذا قد يبدوا فيه شيء من الإجحاف، وذلك بتسوية العشيرة التي يقل عددها بالتي يكثر أفرادها نعم قد يبدوا في هذا بعض الإجحاف ولكن إذا نظرنا إلى أعظم منظمة في العالم وهي منظمة الأمم المتحدة وجدناها تطبق نفس القانون وهذا باستثناء حق الرفض الذي تملكه الدول الكبرى الخمس في مجلس الأمن فتعطي للقابون صوتا مثل صوت الصين أو الهند، ولبنان مثل روسيا لكل دولة صوت مهما قل عددها مثل الدول الكبرى مهما كثر عددها، ولعل هذه الطريقة أقرب للديمقراطية من طريقة اعتبار نسب السكان، فلو طبقنا هذه القاعدة لأعطينا تسع مئة وخمسين صوتا للصين وصوتا واحدًا للبنان
وصوتين للبيا وفي هذا ما فيه من ظلم الضعفاء، وحتى ما نعتقده اليوم ديمقراطية في
البلاد المتحضرة التي تبنى انتخاباتها على أساس الأحزاب ومذاهبها ومعتقداتها، تعترف أن حكم الأغلبية مطلقة كانت أو نسبية ليس هو الديمقراطية ولكنه أقرب الطرق إلى الديمقراطية، وذلك حين نرى أن واحدا وخمسين صوتا تتحكم في مصير تسعة وأربعين صوتا، فتكون هناك في الحقيقة صوتان مرجحان فقط هما اللذان قرَّرا هذا الوضع حتى الدورة الانتخابية المقبلة، لهذا نرى أنه ما دام هناك شعور عام يعتقد به كل الأفراد في أي عشيرة مهما صغرت أن له ممثلا في المجلس البلدي فلا ضير على هذا النظام، وإذا عدنا إلى موضوعنا وجدنا للعشيرة دورًا سياسيا في إدارة شؤون البلدة، وذلك بتقديم أحد أعيانها لينقطع لخدمة الصالح العام، وقد يُختار رئيسا للمجلس، إذا كان ذا كفاءة ودور اجتماعي في السهر على حفظ أبنائها و تربيتهم ومراقبتهم، وكانت بمثابة تأمين للفرد، ولذلك قل أن يتزل ذو عائلة في البلدة ويبقى أكثر من عام لا ينتمي لأي عشيرة، لأن "العاقلة" تحميه ممن قد يعتدي عليه وتعينه في الدّية إذا ما قتل خطأ وتأخذ بحقه إذا قتل، ولذلك لا يشعر المواطن بالأمن في البلدة إلا إذا انتمى إلى عشيرة وهذا يشبه أخذ الجنسية من البلد الذي يستقر به الإنسان في أي بقعة من العالم وكانت رعاية العشيرة لليتيم الذي توفي أبوه ولم يستخلف لأولاده تقوم بحق هذا اليتيم وتقدم عليه أمينا يقوم بشؤونه ويرعاه إلى أن يبلغ الرشد كما تضرب على يد الشاب الذي يعبث بماله ويبذره فضرب عليه تحجيرا وتوكل من يتصرف في شؤونه حتى يعود لجادة الصواب، أو يبرأ إذا كان قد سفهه من مرض في عقله، فالأسباب التي تدعوا إلى السفه متعددة، فكل هذه التصرفات التي قد تؤدي إلى الخروج عن دائرة "المعروف" الذي جعله الله سبحانه إطارا لتصرفاتنا المالية في كثير من الآيات تجعل العشيرة لها حدا، وهذا بطبيعة الحال قد تلقى في كثير من الأحيان سيما في وقت الحكم العسكري عراقيل
109
108